متابعات - فيميد

حذّرت أكاديمية الاستخبارات الوطنية التركية من تداعيات السياسات التوسعية الإسرائيلية على أمن المنطقة واستقرارها، معتبرة أن هذه السياسات لا تقتصر على السيطرة العسكرية على الأراضي، بل تشمل إجراءات قانونية وإدارية وممارسات ديمغرافية تهدف إلى تكريس وقائع جديدة على الأرض.

وجاء ذلك في تقرير أصدرته الأكاديمية في 23 أكتوبر/تشرين الأول الجاري، بعنوان «تشريح التوسعية الإسرائيلية»، تناول الأسس التاريخية والأيديولوجية والسياسية والعسكرية للسياسات الإسرائيلية، وانعكاساتها على الأمن الإقليمي، إلى جانب المخاطر التي قد تواجه تركيا والخيارات الاستراتيجية الممكنة للتعامل معها.

ووفق ما أوردته وكالة الأناضول في تغطيتها للتقرير، ترى الأكاديمية أن التحركات الإسرائيلية تمتد من سوريا وشرق البحر المتوسط إلى البحر الأحمر والقرن الإفريقي، في إطار مساعٍ لتوسيع النفوذ الإقليمي، بما يزيد من التوترات ويعقّد فرص التوصل إلى تسوية دائمة للقضية الفلسطينية.

ثلاثة أبعاد للتوسّع الإسرائيلي

يرصد التقرير ثلاثة أبعاد مترابطة للسياسات التوسعية الإسرائيلية، تتمثل في السيطرة على الأراضي، والإجراءات القانونية والإدارية التي تكرّس السيطرة وتحوّلها إلى وقائع مؤسسية، والممارسات الديمغرافية التي تؤثر في الوجود السكاني وتركيبة المناطق المستهدفة.

ويشير هذا التصور إلى أن التوسع لا يتحقق بالعمليات العسكرية وحدها، بل يمكن أن يستمر عبر تشريعات وإجراءات إدارية وترتيبات ميدانية تجعل تغيير الواقع على الأرض أكثر رسوخًا، حتى في حال تغير الحكومات أو تراجع العمليات العسكرية.

ويربط التقرير بين هذه الأبعاد وما يجري في قطاع غزة والضفة الغربية، فضلًا عن التحركات الإسرائيلية في لبنان وسوريا، معتبرًا أن تداخل الأدوات العسكرية والسياسية والقانونية يمنح هذه السياسات طابعًا يتجاوز العمليات الأمنية المؤقتة.

غزة والضفة الغربية في قلب التحولات

يعتبر التقرير أن مرحلة ما بعد 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023 شكّلت نقطة تحول في مسار السياسات الإسرائيلية، مع اتساع نطاق العمليات في غزة، واستمرار السيطرة والتوسع الاستيطاني في الضفة الغربية.

كما يحذّر من أن ترسيخ الوقائع الجديدة عبر المؤسسات والتشريعات قد يجعل إنهاء هذه السياسات أكثر تعقيدًا، وأن تغيير الحكومة الإسرائيلية وحده قد لا يكون كافيًا لإحداث تحول جوهري، في ظل تنامي نفوذ التيارات اليمينية المتشددة وحركة المستوطنين داخل المؤسسات السياسية والإدارية.

ويربط التقرير بين هذه التطورات وتراجع فرص تنفيذ حل الدولتين، محذرًا من أن استمرار التوسع والعمليات العسكرية يضعف فرص التوصل إلى تسوية سياسية مستدامة.

الدعم الأمريكي وحدود القوة العسكرية الإسرائيلية

ويتناول التقرير الدور الأمريكي في دعم القدرات العسكرية الإسرائيلية، مشيرًا إلى أن التفوق التكنولوجي والعسكري يمنح إسرائيل القدرة على تنفيذ عمليات في مناطق بعيدة، لكنه لا يعني امتلاكها قدرة غير محدودة على خوض حروب طويلة وعالية الكثافة بصورة مستقلة عن الدعم الخارجي.

ويرى التقرير أن اعتماد إسرائيل على الولايات المتحدة يمثل عنصرًا أساسيًا في استدامة قدراتها العسكرية، في وقت تتزايد فيه التساؤلات بشأن مستقبل الدعم الأمريكي، على خلفية ردود الفعل داخل قطاعات من المجتمع الأمريكي، خصوصًا الأجيال الشابة، تجاه الحرب في غزة.

ويشير كذلك إلى أن التفوق العسكري قد يحقق مكاسب ميدانية قصيرة الأجل، لكنه لا يضمن بالضرورة إقامة هيمنة إقليمية مستدامة، بل قد يدفع دول المنطقة إلى البحث عن ترتيبات وشراكات أمنية بديلة.

ما الذي تقترحه الأكاديمية لتركيا والمنطقة؟

فيما يتعلق بالاستجابة لهذه التحديات، يركز التقرير على تعزيز سيادة دول المنطقة وسلامة أراضيها وقدرات مؤسساتها، وتقليص الفراغات الأمنية التي قد تتيح لقوى خارجية توسيع نفوذها.

كما يسلط الضوء على أهمية الحد من استغلال الانقسامات العرقية والاجتماعية وتحويلها إلى أدوات للتدخل في شؤون الدول، ويعرض مساري «تركيا بلا إرهاب» و«منطقة بلا إرهاب» بوصفهما عنصرين محتملين لتعزيز الروابط بين المجتمعات التركية والكردية والعربية وتقوية الاستقرار الإقليمي.

ويخلص التقرير إلى أن التعامل مع التحديات التي تثيرها السياسات الإسرائيلية، وفق الرؤية التركية، يتطلب مقاربة تتجاوز الرد العسكري المباشر، لتشمل بناء مؤسسات قوية، وتعزيز سيادة الدول، وتطوير التعاون الإقليمي، والحد من استغلال الانقسامات الداخلية.