نيويورك تايمز: مسؤول أمريكي حجب تقارير تنتقد إسرائيل
كشف تحقيق صحفي عن اتهامات لمسؤول في السفارة الأمريكية لدى إسرائيل بحجب وتعديل تقارير دبلوماسية تتناول الاستيطان وعنف المستوطنين والأوضاع الإنسانية في غزة،.
متابعات – فيميد
كشف تحقيق استقصائي لصحيفة «نيويورك تايمز» أن ديفيد ميلستين، أحد كبار مساعدي السفير الأمريكي لدى إسرائيل مايك هاكابي، تدخل مراراً في تقارير دبلوماسية أعدتها السفارة بشأن قطاع غزة والضفة الغربية المحتلة، عبر حجب بعضها أو تعديل مضمونها أو تأخير إرسالها، بما قدّم في حالات صورة أكثر إيجابية عن الحكومة الإسرائيلية، وفق مسؤولين أمريكيين ووثائق داخلية استند إليها التحقيق.
وبحسب التحقيق المنشور الجمعة، 9 أكتوبر/تشرين الأول 2026، شملت التدخلات المزعومة ملفات حساسة، من بينها التوسع الاستيطاني، واعتداءات المستوطنين، والتحقيقات في مقتل فلسطينيين يحملون الجنسية الأمريكية، إلى جانب الأوضاع الإنسانية في غزة وآليات توزيع المساعدات.
واستندت الصحيفة إلى مقابلات مع 15 مسؤولاً أمريكياً عملوا مع ميلستين أو تعاملوا معه، وتسعة دبلوماسيين سابقين، فضلاً عن مراجعة عشرات البرقيات والمذكرات والمراسلات الداخلية.
تقارير عن الاستيطان والعنف لم تصل إلى واشنطن بصيغتها الأصلية
من أبرز الوقائع التي أوردها التحقيق، منع إرسال تقرير أعده موظفون في السفارة بشأن خطة توسع استيطاني إسرائيلية في الضفة الغربية المحتلة، في وقت كانت فيه الحرب مع إيران تستحوذ على اهتمام الإدارة الأمريكية.
ووفق الصحيفة، رأى موظفون أن الخطوة تستدعي إبلاغ واشنطن بصورة عاجلة، لاحتمال تعارضها مع موقف الرئيس دونالد ترامب المعلن الرافض لضم الضفة الغربية، لكن ثلاثة مسؤولين أمريكيين قالوا إن ميلستين منع إرسال التقرير.
وفي ملف آخر، ذكر التحقيق أن برقية أعدها موظفو السفارة بشأن تصاعد اعتداءات المستوطنين خلصت إلى أن الحكومة الإسرائيلية لا تبذل جهوداً كافية لمواجهتها، قبل أن تتضمن النسخة التي أُرسلت إلى واشنطن صياغة مختلفة أشادت بإجراءات إسرائيل ضد الاعتداءات.
وتثير هذه الوقائع، وفق ما نقله التحقيق عن مسؤولين، مخاوف بشأن مدى وصول التقييمات الميدانية إلى صناع القرار الأمريكيين من دون تغيير أو انتقاء.
التحقيقات في مقتل فلسطينيين أمريكيين
تناول التحقيق أيضاً تقارير بشأن مقتل تسعة فلسطينيين يحملون الجنسية الأمريكية على أيدي مستوطنين إسرائيليين أو قوات أمن إسرائيلية في الضفة الغربية خلال أربع سنوات، وبحسب «نيويورك تايمز»، أعد موظفو السفارة في مارس/آذار تقريراً خلص إلى أن التحقيقات الإسرائيلية في معظم هذه الحالات لم تحرز تقدماً يُذكر، وأن بعض الملفات أُغلقت من دون توجيه اتهامات.
لكن مسؤولين قالوا للصحيفة إن ميلستين رفض تمرير التقرير بصيغته الأصلية، ودفع باتجاه إرسال رسالة بديلة تفيد بأن إسرائيل تتعامل مع التحقيقات على نحو مناسب، وكان 30 عضواً في الكونغرس الأمريكي، بقيادة السيناتور كريس فان هولن، قد طالبوا في مارس/آذار وزير الخارجية ماركو روبيو بمعلومات عن التحقيقات، وشددوا على ضرورة المحاسبة.
تعديل تقييمات توزيع المساعدات في غزة
امتدت التدخلات، وفق التحقيق، إلى تقارير بشأن الوضع الإنساني في قطاع غزة، ولا سيما عمل «مؤسسة غزة الإنسانية»، المدعومة أمريكياً وإسرائيلياً، والتي واجهت انتقادات تتعلق بآليات توزيع المساعدات ومخاطر تعرض الفلسطينيين للأذى أثناء الوصول إلى مواقعها.
وذكر التحقيق أن دبلوماسيين أمريكيين أعدوا برقية وصفت عملية توزيع المساعدات بالفوضوية والدامية، وحذرت من احتمال وقوع مزيد من الحوادث التي تسفر عن أعداد كبيرة من الضحايا إذا استمر الوضع على حاله.
لكن أشخاصاً مطلعين على البرقية قالوا للصحيفة إن ميلستين أعاد صياغتها بطريقة قدمت عمل المؤسسة بصورة أكثر إيجابية، مع حذف معلومات عن سقوط قتلى في مواقع توزيع المساعدات.
وتكتسب هذه المسألة أهمية خاصة في ظل الأزمة الإنسانية في غزة، إذ يمكن للتقييمات التي تصل إلى الإدارة الأمريكية أن تؤثر في فهمها لأوضاع المدنيين ومدى سلامة آليات إيصال المساعدات.
اتصالات مباشرة لتجاوز القنوات المعتادة
أشار التحقيق إلى أن مسؤولين في البيت الأبيض ووزارة الخارجية الأمريكية تواصلوا، في مناسبتين على الأقل، مباشرة مع موظفين داخل السفارة، متجاوزين القنوات المعتادة، بعد ملاحظتهم فجوة بين ما تنقله وسائل الإعلام عن التطورات في غزة والضفة الغربية وما يصلهم عبر التقارير الرسمية.
ولم يحدد التحقيق مدى تأثير التدخلات المزعومة في قرارات الإدارة الأمريكية بشأن إسرائيل، لكنه نقل مخاوف مسؤولين من أن يؤدي حجب المعلومات أو تغيير مضمونها إلى إضعاف عملية صنع القرار، وربما تعقيد تنفيذ السياسات المعلنة للرئيس ترامب.
من هو ديفيد ميلستين؟
يبلغ ميلستين 36 عاماً، وعمل مساعداً للسيناتور الجمهوري تيد كروز بين عامي 2013 و2018، قبل انتقاله إلى إسرائيل للدراسة، وفي عام 2020، انضم إلى فريق السفير الأمريكي السابق ديفيد فريدمان خلال الولاية الرئاسية الأولى لترامب.
وعمل لاحقاً مع حاكم فلوريدا رون ديسانتيس في جهود التواصل مع الناخبين المؤيدين لإسرائيل، قبل عودته إلى السفارة الأمريكية في القدس في أبريل/نيسان 2025، وفق المعلومات التي أوردها التحقيق.
هاكابي ينفي الاتهامات
لم تتضح، بحسب الصحيفة، بصورة كاملة حدود معرفة السفير الأمريكي مايك هاكابي بتفاصيل تدخلات مساعده، ونقلت «نيويورك تايمز» عن مسؤولين أن هاكابي عمل أحياناً مع ميلستين على حجب معلومات أو إعادة صياغتها، لكنه تدخل في مناسبات أخرى عندما رأى أن مساعده تجاوز الحدود في تعديل بعض التقارير أو منع إرسالها.
ورفض هاكابي وميلستين إجراء مقابلات مباشرة مع الصحيفة. ونفى هاكابي الاتهامات الموجهة إلى مساعده، واصفاً رواية الصحيفة بأنها تفتقر إلى الوقائع، ومؤكداً رفضه لها بصورة قاطعة.
أما وزارة الخارجية الأمريكية، فاكتفت بالقول إن فريقها يركز على تنفيذ أجندة الرئيس ترامب القائمة على شعار «أمريكا أولاً»، دون تقديم رد تفصيلي على الاتهامات المتعلقة بحجب التقارير الدبلوماسية أو تغيير مضمونها.
ويضع التحقيق مسألة تدفق المعلومات من السفارة الأمريكية في القدس إلى واشنطن تحت المجهر، خصوصاً في الملفات الفلسطينية التي تتقاطع فيها التقييمات الميدانية مع المواقف السياسية الأمريكية تجاه الحكومة الإسرائيلية. وتظل التفاصيل الواردة اتهامات وتوصيفات نقلتها الصحيفة عن مصادرها ووثائقها، في حين نفى السفير هاكابي هذه الاتهامات.