رئيس التحرير يكتب: استطلاعات الرأي لا تحسم خيارات الفلسطينيين
يقرأ إبراهيم المدهون نتائج استطلاعات الرأي الفلسطينية في ظل الحرب والانقسام، ويدعو إلى تجديد الحياة السياسية وإعادة بناء المؤسسات وتعزيز الشراكة الوطنية.
إبراهيم المدهون
إننا مجتمع تضرب فيه الفصائلية جذورها بعمق، وحتى لو أظهرت استطلاعات الرأي اليوم تفوقا نوعيا لقوائم مستقلة، فإن التحليل العميق يؤكد أن هذه القوائم تنزع في جوهرها وخلفياتها إلى امتدادات فصائلية، ورغم أن البيئة المجتمعية قد شهدت تحولات واسعة، إلا أن ظلال الحالة الفصائلية ما زالت تخيم على مجريات الحياة السياسية، بل إن القوائم التي تصدرت المشهد في الاستطلاعات لا تعدو كونها امتداد لهذه البنية ذاتها.
أما تراجع حضور حركة حماس أو غيابها الظاهري في نتائج الاستطلاعات، فهو سلوك طبيعي ينجم عن واقع الإبادة في غزة، والاعتقالات الممنهجة والملاحقة في الضفة الغربية، في ظل غياب الشعور بالأمان والارتياح الذي يمكن أبناء شعبنا من التعبير الحر عن خياراتهم. وفي حال التوجه نحو حالة من الاستقرار النسبي والممارسة الانتخابية الحرة، فإن القطاع الأوسع ممن يكتفون حاليا بالكتمان والتردد، سيمتلكون الجرأة والوضوح في التعبير عن خياراتهم الحقيقية، من هنا، تبقى الاستطلاعات مجرد مؤشرات أجريت في ظروف استثنائية يخيم عليها الخوف والإبادة، ولا يمكنها بأي حال أن تعكس معالم الإرادة الشعبية في لحظات الاستقرار، فالحكم النهائي والأصيل يظل دائما لصندوق الاقتراع.
ومع ذلك، ومن واقع المتابعة والدراسة، فإننا أمام أولوية ملحة لإحداث تغيير حقيقي يتجسد في عدة مسارات عملية؛ أولها إطلاق حراكات وقوائم شبابية حية، سواء من داخل الفصائل نفسها أو في الفضاء المجتمعي العام، إذ من غير المعقول أن يستمر الحال على ما هو عليه بعد هذه الإبادة، ونحتاج تشكيلات جديدة تستجيب للواقع المستجد وتتكيف مع المتغيرات في الضفة وغزة والشتات.
وثانيها صياغة أفكار وسياسات ورؤى مستحدثة تواءم الواقع الفلسطيني الجديد سياسيا وفكريا ومجتمعيا وتنتقل بنا إلى الفعالية الحقيقية. وثالثها إحداث هزة وجدانية نقدية تستثمر في الإرث المقاوم والتضحيات الجسام، وتلتقط الحراك الدولي الراهن، بالتوازي مع الاتعاظ الشجاع من الإخفاقات ومراجعة الخسائر لمنع تكرارها.
ورابعها إعادة هيكلة وبناء المؤسسات والنقابات الفلسطينية وتفعيلها فعليا، فالجمود الحالي خصوصا في مؤسسات السلطة والمنظمة لا يليق بشعبنا ولا بمستواه الثقافي والمعرفي والسياسي، ونحتاج مؤسسات تتجدد ذاتيا وتتحرر من ارتهانها لوجوه وتيارات بعينها.
وأخيرا القضاء الحاسم على سياسات الإقصاء والتهميش الصادرة عن خلافات بسيطة في الشكل أو الفكر، وتكريس مبدأ التعددية والشراكة تحت سقف الهدف الوطني الجامع.