غلوبس: إسرائيل تعيد إحياء استخبارات المصادر المفتوحة
تكشف صحيفة غلوبس عن إعادة بناء منظومة «حَتساف» الإسرائيلية للاستخبارات مفتوحة المصدر، مع توسيع استخدام تيك توك وتلغرام في جمع وتحليل المعلومات.
متابعات - فيميد
كشفت صحيفة غلوبس الإسرائيلية عن إعادة بناء منظومة الاستخبارات الإسرائيلية المعروفة باسم «حَتساف»، المتخصصة في جمع وتحليل المعلومات المتاحة من المصادر المفتوحة، بعد إغلاق الوحدة بصيغتها السابقة عام 2021، مشيرة إلى أن المنظومة الجديدة أصبحت عملياتية في يناير/كانون الثاني 2026، مع زيادة كبيرة في الموارد والقوة البشرية والتجهيزات التقنية.
وتسلط المعلومات التي أوردتها الصحيفة الضوء على تحول متزايد داخل الاستخبارات العسكرية الإسرائيلية نحو التعامل مع المحتوى المنشور علناً على شبكة الإنترنت، بما في ذلك تيك توك وتلغرام ووسائل الإعلام والشبكات الاجتماعية، باعتباره مصدراً يمكن تحويله إلى معلومات استخبارية ذات استخدامات عملياتية.
من وحدة صغيرة إلى منظومة مستقلة
بحسب "غلوبس"، أُغلقت وحدة «حَتساف» عام 2021، وجرى توزيع جزء من قدراتها على وحدات البحث المختلفة، مع الإبقاء على بعض القدرات المتخصصة ضمن وحدات أخرى.
لكن الصحيفة تقول إن تجربة السنوات التالية، وخصوصاً أحداث 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023، أعادت طرح مسألة الحاجة إلى جهة متخصصة ومركزية تجمع المعلومات المفتوحة وتفككها وتضعها في سياق استخباري.
وتشير «غلوبس» إلى أن الجيش الإسرائيلي اكتشف، بعد 7 أكتوبر، أهمية المواد المنشورة من داخل قطاع غزة، بما في ذلك الصور ومقاطع الفيديو والمنشورات التي جرى تداولها على شبكات التواصل، في محاولة لتحديد مواقع الأسرى الإسرائيليين وفهم ما يجري على الأرض.
وفي المقابل، نقلت الصحيفة عن مسؤول أمني إسرائيلي سابق قوله إن المشكلة لم تكن بالضرورة نقص المعلومات، وإنما الطريقة التي جرى بها تفسيرها داخل المؤسسة الاستخبارية، في ظل ما وصفه باستمرار «المفهوم» الذي حكم تقديرات المؤسسة قبل هجوم 7 أكتوبر.
إعادة بناء «حَتساف»
وفق التقرير، بدأ الجيش الإسرائيلي في مطلع 2023 العمل على نظام تدريبي ومعلوماتي حمل اسم «نتيفوت» بهدف تطوير قدرات الباحثين على التعامل مع استخبارات المصادر المفتوحة.
لكن اندلاع حرب غزة في أكتوبر 2023 جاء في وقت لم يكن فيه المشروع قد اكتمل أو دخل مرحلة التشغيل المطلوبة.
وفي يناير 2026، تحولت المنظومة الجديدة إلى جسم عملياتي مستقل تابع مباشرة لشعبة الاستخبارات العسكرية، مع مكانة أكثر استقلالية وقدرات تقنية وموارد بشرية أكبر.
وتقول «غلوبس» إن القوة البشرية في النسخة الجديدة أصبحت ثلاثة أضعاف حجم الوحدة التي أُغلقت عام 2021، إلى جانب زيادة الاستثمارات التكنولوجية، ولا سيما في مجال الذكاء الاصطناعي.
تيك توك وتلغرام كمصادر استخبارية
تكشف الصحيفة أن المنظومة الجديدة لا تكتفي برصد الأخبار والمصادر التقليدية، بل تجمع المعلومات من مجموعة واسعة من المنصات الرقمية، وتشمل هذه المصادر، بحسب التقرير، تيك توك وتلغرام والمواقع الإخبارية والحسابات والشبكات الاجتماعية، إضافة إلى الصور ومقاطع الفيديو التي ينشرها المستخدمون.
وتتمثل المهمة في عدم الاكتفاء بجمع المنشورات، وإنما تحليلها وربطها بمعلومات أخرى، بهدف إنتاج صورة استخبارية أكثر شمولاً.
وتقول «غلوبس» إن بعض المعلومات المستخرجة من المصادر المفتوحة يمكن أن تصل إلى المستوى التكتيكي، بما في ذلك المساهمة في تحديد أهداف عسكرية.
صور من إيران تتحول إلى معلومات عملياتية
يسرد التقرير مثالاً من الحرب مع إيران، حيث ساعدت، وفق المصادر التي تحدثت إليها الصحيفة، صور نشرها جنود إيرانيون من قواعد عسكرية في بناء صورة استخبارية ساهمت في تحديد مئات الأهداف، وتربط الصحيفة بين هذه المعلومات وبين عمليات إسرائيلية لاحقة، بما في ذلك استهداف مسؤولين عسكريين إيرانيين.
وهنا تبرز إحدى أهم وظائف استخبارات المصادر المفتوحة: تحويل مادة منشورة للجمهور إلى معلومة يمكن دمجها مع مصادر استخبارية أخرى.
الذكاء الاصطناعي لا يلغي العنصر البشري
رغم الاستثمار المتزايد في الذكاء الاصطناعي، تنقل «غلوبس» عن مسؤول في مجتمع الاستخبارات الإسرائيلي أن المؤسسة لا تعتبر التكنولوجيا بديلاً عن الإنسان، ويشير المصدر إلى أهمية فهم اللغة والثقافة والسياق السياسي والديني عند تحليل المعلومات، خصوصاً في بيئات متعددة المصادر ومليئة بالمعلومات المتناقضة وحملات التأثير.
وتكمن الصعوبة في أن المصدر المفتوح لا يعني بالضرورة أن المعلومة صحيحة؛ فقد تكون المنشورات جزءاً من حملة تضليل أو دعاية أو محاولة متعمدة للتأثير على المتلقي، لذلك، تعتمد عملية التحليل على التحقق من المصدر، وفهم خلفيته، ومقارنة ما ينشره مع مصادر أخرى، قبل إدخاله في الصورة الاستخبارية.
من المستوى الاستراتيجي إلى أرض المعركة
بحسب الصحيفة، لا يقتصر دور المنظومة الجديدة على إعداد تقديرات استراتيجية، وإنما يمتد إلى المستوى التكتيكي المرتبط بإدارة العمليات العسكرية، ويعني ذلك أن صورة أو مقطع فيديو أو منشوراً على منصة اجتماعية يمكن أن يكتسب قيمة استخبارية مختلفة عندما يتم ربطه بمعلومات جغرافية أو عسكرية أو زمنية أخرى.
وتنقل «غلوبس» عن مسؤول استخباري أن المعرفة الناتجة عن استخبارات المصادر المفتوحة أصبحت حاضرة على المستويين الاستراتيجي والتكتيكي.
درس 7 أكتوبر: المعلومات كانت موجودة.. لكن كيف قُرئت؟
تقدم المادة الإسرائيلية جانباً مهماً من مراجعات المؤسسة الأمنية بعد 7 أكتوبر، فالتقرير يشير إلى أن حركة حماس كانت قد نشرت، خلال السنوات السابقة للهجوم، مواد مصورة من تدريبات عسكرية تضمنت محاكاة اقتحام السياج، والسيطرة على مواقع، واستخدام الطائرات المسيّرة وعمليات الإنزال والاشتباك.
كما يشير إلى خطابات ومواد إعلامية فلسطينية كانت تتحدث بصورة علنية عن سيناريوهات مواجهة واسعة مع إسرائيل، ومع ذلك، لم تتحول هذه المواد إلى تقدير استخباري يحدد موعد الهجوم أو يمنعه.
وتنقل «غلوبس» عن مسؤول أمني سابق أن المشكلة كانت أعمق من مجرد نقص في المعلومات، وأن المعلومات المفتوحة لم تكن وحدها قادرة على تغيير التصور السائد داخل المؤسسة.
وهذه النقطة مهمة؛ فوجود المعلومات في المجال العام لا يعني بالضرورة أن المؤسسة الاستخبارية ستفسرها بالطريقة الصحيحة أو تمنحها الوزن المطلوب.
استخبارات تراقب الفضاء الرقمي
تكشف عودة «حَتساف» بصيغتها الجديدة عن تحول في طبيعة العمل الاستخباري الإسرائيلي، حيث لم تعد شبكات التواصل مجرد مساحة إعلامية أو اجتماعية، وإنما أصبحت جزءاً من بيئة جمع المعلومات، ويعني ذلك أن المنشورات والصور والفيديوهات المتاحة للجمهور يمكن أن تدخل في عمليات التحليل والمقارنة وربط الأحداث، إلى جانب مصادر الاستخبارات السرية.
لكن التقرير نفسه يبرز حدود هذه القدرة، إذ يشدد على ضرورة التمييز بين المعلومات الحقيقية والمعلومات المضللة، وفهم السياق الذي صدرت فيه، وعدم التعامل مع الذكاء الاصطناعي باعتباره بديلاً للتحليل البشري.
خلاصة
تكشف مادة «غلوبس» أن إسرائيل تعمل على إعادة صياغة استخبارات المصادر المفتوحة بعد تجربة 7 أكتوبر، عبر إنشاء منظومة أكبر وأكثر استقلالية، مدعومة بالتكنولوجيا والذكاء الاصطناعي، وقادرة على التعامل مع كميات هائلة من المحتوى الرقمي.
واللافت أن تيك توك وتلغرام وغيرهما من المنصات لم تعد، وفق الرواية الإسرائيلية، مجرد مصادر لرصد الرأي العام، بل أصبحت جزءاً من سلسلة إنتاج المعلومات الاستخبارية التي قد تصل إلى المستوى العملياتي.
وفي الوقت نفسه، تظهر تجربة 7 أكتوبر أن المشكلة الاستخبارية لا تتعلق دائماً بغياب المعلومات، وإنما قد تتعلق أيضاً بكيفية قراءتها وربطها ومنحها الوزن المناسب داخل عملية اتخاذ القرار.