تقرير خاص – فيميد

هل تتجه الضفة نحو انفجار أوسع أم احتواء مؤقت؟ تدخل الضفة الغربية مرحلة أكثر تعقيداً مع تزامن مسارين متعاكسين: تسارع الإجراءات الإسرائيلية لتغيير واقع الأرض وتوسيع الاستيطان، مقابل استمرار وتصاعد العمليات الفلسطينية المسلحة، بالتوازي مع ارتفاع مستوى العنف الذي يمارسه المستوطنون والعمليات العسكرية الإسرائيلية.

وخلال أيلول/سبتمبر 2026 وحده، شهدت الضفة سلسلة من التطورات التي تعكس هذا التداخل؛ من بينها تقدم مشروع "E1" الاستيطاني إلى 3,401 وحدة سكنية، وعمليات اقتلاع أشجار ومصادرة أراضٍ، وتصاعد هجمات المستوطنين، في مقابل استمرار العمليات الفلسطينية المسلحة، كان أبرزها إطلاق نار قرب مستوطنة "نفيه تسوف" قرب رام الله أدى إلى مقتل إسرائيلي في 20 أيلول/سبتمبر. وبذلك لم يعد مستقبل الضفة مرتبطاً فقط بمسار الاستيطان أو بالموقف السياسي الإسرائيلي، بل أيضاً بقدرة المقاومة الفلسطينية على الاستمرار والتكيف، وبكيفية رد إسرائيل على العمليات، وبمدى قدرة السلطة الفلسطينية والدول الإقليمية والدولية على منع تحول المواجهة إلى دورة تصعيد مفتوحة.

أولاً: الضفة أمام تغيير متسارع في الواقع الميداني

تتحرك السياسة الإسرائيلية في الضفة عبر مجموعة متزامنة من الأدوات: توسيع المستوطنات، وإقامة البؤر، ومصادرة الأراضي، وتوسيع الطرق، والقيود على الحركة، والعمليات العسكرية.

وفي أيلول/سبتمبر، أضافت إسرائيل مناقصة لبناء 2,167 وحدة استيطانية إلى 1,234 وحدة أُعلن عنها سابقاً في منطقة "E1"، ليصل العدد الإجمالي إلى 3,401 وحدة. وحذّرت جهات إسرائيلية ودولية من أن المشروع يمكن أن يؤدي إلى تجزئة الضفة وعزل القدس الشرقية عن أجزاء منها. كما قالت منظمة العفو الدولية إن الجيش الإسرائيلي أصدر في تموز/يوليو 2026 ما لا يقل عن 15 أمراً لمصادرة نحو 200 دونم في محافظة جنين، بينها أراضٍ في المنطقة (أ)، رابطة هذه الإجراءات بمخططات لربط مستوطنات إسرائيلية في شمال الضفة.

ثانياً: عنف المستوطنين كعامل في إعادة تشكيل البيئة الأمنية

لا يتحرك الاستيطان فقط من خلال القرارات الحكومية والبناء الرسمي، بل أيضاً عبر توسع البؤر الاستيطانية والهجمات على القرى والأراضي الفلسطينية. وبحسب مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية، جرى توثيق أكثر من 1,600 هجوم للمستوطنين بين كانون الثاني/يناير وآب/أغسطس 2026 أدى إلى إصابات فلسطينية أو أضرار في الممتلكات، بمعدل 6.7 هجمات يومياً، مقارنة بخمس هجمات يومياً خلال عام 2025.

وتكتسب هذه الظاهرة أهمية أكبر عندما تتقاطع مع العمليات العسكرية الإسرائيلية والعمليات الفلسطينية، إذ يمكن لأي حادث دموي أن ينتقل سريعاً من مستوى محلي إلى سلسلة من عمليات الانتقام والاعتقالات والحواجز والاقتحامات. وهكذا يصبح عنف المستوطنين أحد المتغيرات التي يمكن أن تزيد البيئة الحاضنة للتصعيد، حتى عندما لا يكون مرتبطاً مباشرة بالعمليات المسلحة الفلسطينية.

ثالثاً: المقاومة الفلسطينية.. العامل الذي يغيّر الحسابات

في الجانب الفلسطيني، لا تزال العمليات المسلحة حاضرة رغم الانتشار العسكري الإسرائيلي والاعتقالات والاقتحامات. ففي 20 أيلول/سبتمبر، أطلق مسلح فلسطيني النار قرب مستوطنة "نفيه تسوف" شمال غرب رام الله، ما أدى إلى مقتل إسرائيلي وفق الشرطة والجيش الإسرائيليين، وقالت السلطات الإسرائيلية إنها اعتقلت المشتبه به لاحقاً في مستشفى برام الله. وفي حادث منفصل في اليوم نفسه، أعلن الجيش الإسرائيلي قتل فلسطيني قال إنه حاول تنفيذ عملية دهس ضد جنوده، فيما أشارت "رويترز" إلى أنها لم تتمكن من التحقق بصورة مستقلة من الرواية الإسرائيلية بشأن محاولة الدهس.

والأربعاء 23 أيلول/سبتمبر، وقعت عملية دهس قرب حاجز مكابيم/بيت عور غرب رام الله في الضفة الغربية، أسفرت عن إصابة جندي إسرائيلي بجروح خطيرة، قالت مصادر إسرائيلية إنه نيريا ليتر، نجل السفير الإسرائيلي لدى واشنطن. وأطلقت القوات الإسرائيلية النار على منفذ العملية، محمود محمد محمود سليمان (29 عامًا)، ما أدى إلى مقتله واحتجاز جثمانه، فيما أغلقت القوات الحاجز وشددت إجراءاتها في المنطقة. ولم تعلن أي جهة فلسطينية مسؤوليتها عن العملية.

ما الذي يعنيه ذلك؟

تؤدي المقاومة المسلحة في هذه المعادلة دوراً مؤثراً: أمنياً، تستطيع العمليات الفلسطينية إجبار إسرائيل على إعادة توزيع قواتها، وتشديد الحواجز، وزيادة الاعتقالات والعمليات العسكرية. وسياسياً، يمكن للهجمات أن تعيد القضية الأمنية إلى مركز النقاش الإسرائيلي والدولي. ومن هنا، فإن تأثير المقاومة لا يُقاس فقط بعدد العمليات، بل بقدرتها على تغيير تكلفة استمرار السياسة الإسرائيلية في الضفة.

رابعاً: الحلقة التي قد تقود إلى تصعيد متبادل

تتشكل في الضفة حالياً حلقة يصعب فصل عناصرها: توسع استيطاني ومصادرة أراضٍ ← احتقان فلسطيني ← عمليات أو مواجهات ← عمليات عسكرية واعتقالات وحواجز ← مزيد من الاحتقان ← عمليات جديدة. وفي مسار موازٍ: هجمات مستوطنين ← نزوح أو خسائر فلسطينية ← غضب ومواجهات ← رد عسكري إسرائيلي ← مزيد من التوتر المحلي.

ولا يعني ذلك أن كل عملية فلسطينية ناتجة مباشرة عن الاستيطان، أو أن كل إجراء إسرائيلي هو رد على عملية؛ فالدوافع والجهات والظروف تختلف من حادثة إلى أخرى. لكن تراكم هذه المسارات يجعل احتمال التصعيد المتبادل أكبر.

خامساً: هل يمكن للمقاومة أن توقف التوسع الاستيطاني؟

لا توجد مؤشرات تسمح بالقول إن العمليات المسلحة وحدها قادرة على وقف المشروع الاستيطاني؛ فالاستيطان مرتبط بقرارات حكومية وميزانيات وبنية قانونية وإدارية وشبكة طرق ومؤسسات أمنية ومدنية. لكن المقاومة يمكن أن تؤثر في كلفة إدارة الضفة: فكلما أصبحت السيطرة الأمنية أكثر صعوبة، ارتفعت الحاجة إلى القوات والحواجز والاستخبارات والعمليات الخاصة، وقد يؤدي ذلك إلى تغيير بعض الحسابات الأمنية والسياسية داخل إسرائيل.

سادساً: السيناريوهات المستقبلية

السيناريو الأول - تصعيد منخفض الشدة وطويل الأمد: يقوم على استمرار العمليات الفردية والمسلحة المحدودة، مقابل اقتحامات واعتقالات وعمليات إسرائيلية متكررة. لا تتحول الضفة في هذه الحالة إلى انتفاضة شاملة، ولا يعود الاستقرار الكامل، لتصبح النتيجة مواجهة مزمنة دون نقطة حسم واضحة - وهو السيناريو الأكثر قابلية للاستمرار إذا لم يحدث تحول سياسي كبير.

السيناريو الثاني - تصعيد واسع: قد يبدأ بعملية كبيرة توقع عدداً مرتفعاً من القتلى الإسرائيليين، أو بسلسلة عمليات متزامنة، يعقبها رد إسرائيلي أوسع من المعتاد يشمل عمليات عسكرية واسعة وإغلاق مناطق وتكثيف الاعتقالات وضربات جوية. ومع سقوط مزيد من الضحايا الفلسطينيين، قد تدخل مدن ومخيمات جديدة في دائرة المواجهة، والخطر الأساسي هنا هو تحول العمليات المنفردة إلى موجة متبادلة من العنف.

السيناريو الثالث - توسع المقاومة مع استمرار الاستيطان: يستمر فيه الاستيطان ومصادرة الأراضي بوتيرة مرتفعة، بينما تتكيف المجموعات المسلحة مع الضغط الإسرائيلي وتنتقل إلى خلايا صغيرة وعمليات فردية، ما يجعل من الصعب على إسرائيل تحقيق "هدوء أمني" دائم رغم تفوقها العسكري.

السيناريو الرابع - احتواء أمني مؤقت: يمكن أن ينشأ إذا توافرت تفاهمات فلسطينية وإقليمية ودولية تؤدي إلى خفض العمليات المسلحة، بالتزامن مع إجراءات إسرائيلية للحد من هجمات المستوطنين والاقتحامات. قد يسمح ذلك بخفض مستوى العنف، لكنه سيبقى هشاً إذا استمر التوسع الاستيطاني ومصادرة الأراضي، أي أن الهدوء الأمني وحده لن يعالج الأسباب السياسية والجغرافية للصراع.

الخلاصة

تقف الضفة الغربية أمام معادلة أكثر تعقيداً من مجرد صراع بين الاستيطان والمقاومة. هناك مشروع متسارع لتغيير واقع الأرض، يقابله تصاعد في عنف المستوطنين والعمليات العسكرية الإسرائيلية، وفي الجهة الأخرى استمرار المقاومة والعمليات الفلسطينية المسلحة. ومع كل عملية مسلحة، قد ترتفع الكلفة الأمنية على إسرائيل؛ لكن مع كل تصعيد إسرائيلي قد تتسع أيضاً دائرة الاحتقان الفلسطيني. وفي الوقت نفسه، يستمر الاستيطان في إنتاج وقائع جغرافية جديدة.

وتكمن الخطورة في أن تتحول هذه العناصر إلى حلقة مغلقة: استيطان ومصادرة أراضٍ ← احتقان ومقاومة ← عمليات فلسطينية ← رد عسكري إسرائيلي ← مزيد من الضحايا والقيود ← احتقان جديد ← عمليات جديدة. وإذا استمرت هذه الحلقة، فقد تصبح الضفة ساحة صراع منخفض الشدة لكنه طويل الأمد، مع احتمال انتقاله إلى موجات تصعيد أوسع عند وقوع حدث استثنائي.

أما احتواء العنف بصورة مستدامة، فيتطلب أكثر من إجراءات أمنية؛ إذ يرتبط أيضاً بتغيير الوقائع التي تغذي الصراع، وعلى رأسها الاستيطان ومصادرة الأراضي وعنف المستوطنين والقيود المفروضة على السكان، بالتوازي مع معالجة قضية العمليات المسلحة والمسار السياسي الفلسطيني. وبذلك فإن مستقبل الضفة لن تحدده قوة طرف واحد فقط، بل التفاعل بين أربع مسارات: السيطرة الإسرائيلية على الأرض، وتوسع الاستيطان، وقدرة المقاومة الفلسطينية على الاستمرار والتكيف، ومدى وجود مسار سياسي قادر على كسر دائرة التصعيد. والسؤال الحاسم في المرحلة المقبلة لن يكون فقط: هل تتصاعد المقاومة؟ بل أيضاً: كيف سترد إسرائيل على هذا التصاعد، وهل سيؤدي الرد إلى احتواء العنف أم إلى إنتاج جولة جديدة منه؟، ولكن تبقى الإجابة الثابتة وفق مجريات التاريخ أن الاحتلال سينتهي عاجلاً أم آجلاً.