الأمم المتحدة.. غزة وفلسطين غيابٌ جسدي وحضورٌ سياسي ودبلوماسي
غزة وفلسطين تتصدران خطابات قادة العالم في الأمم المتحدة، وسط غياب الرئيس الفلسطيني محمود عباس عن الحضور الشخصي ومشاركة القضية الفلسطينية في النقاشات السياسية.
تقرير خاص - فيميد
تحوّلت غزة إلى أحد أبرز محاور النقاش في الأسبوع رفيع المستوى للدورة الحادية والثمانين للجمعية العامة للأمم المتحدة، مع تتابع خطابات قادة ورؤساء حكومات ركّزت على الحرب، والوضع الإنساني، وإدخال المساعدات، وإعادة الإعمار، ومستقبل القطاع ضمن حل سياسي للقضية الفلسطينية. لكن حضور القضية الفلسطينية في نيويورك جاء في ظل غياب الرئيس الفلسطيني محمود عباس والوفد الفلسطيني رفيع المستوى عن قاعة الجمعية العامة، بعدما رفضت الولايات المتحدة منحهم تأشيرات دخول - في مفارقة اختصرت، بحسب مراقبين، طبيعة الموقف الدولي الراهن تجاه القضية الفلسطينية: تعاطف خطابي واسع النطاق يكاد يشمل كل الأطياف السياسية، مقابل غياب فعلي للطرف الفلسطيني نفسه عن المنصة الدولية الأعلى.
أولاً: لماذا غاب الوفد الفلسطيني؟
أعلنت الولايات المتحدة تمديد القيود على تأشيرات مسؤولين فلسطينيين، من بينهم الرئيس محمود عباس، قبيل اجتماعات الجمعية العامة، مبررة موقفها باتهامات وجّهتها للسلطة الفلسطينية ومنظمة التحرير، من بينها ما وصفته بعدم الالتزام بتعهدات أوسلو، إضافة إلى اعتراضها على التحركات الفلسطينية أمام المحاكم الدولية.
وفي المقابل، اعتبر المندوب الفلسطيني لدى الأمم المتحدة رياض منصور أن منع الوفد الفلسطيني من الحضور يمثل انتهاكاً لالتزامات الدولة المضيفة تجاه المنظمة الدولية. وفي 17 أيلول/سبتمبر، اعتمدت الجمعية العامة قراراً يتيح لعباس تقديم كلمة مسجلة بالفيديو، بأغلبية كبيرة بلغت 152 صوتاً مؤيداً مقابل ثلاثة أصوات رافضة فقط - هي الولايات المتحدة وإسرائيل وباراغواي - وامتناع أربع دول عن التصويت. ويتيح القرار أيضاً صيغة المشاركة الافتراضية لأي مسؤولين فلسطينيين رفيعي المستوى كلما تعذّر عليهم الحضور شخصياً إلى مقر الأمم المتحدة مستقبلاً.
وقال منصور، عقب التصويت، إن غياب التأشيرات لا يعني غياب الشعب الفلسطيني أو قيادته عن الأمم المتحدة، مؤكداً أن القضية الفلسطينية ستبقى حاضرة إلى حين إنهاء الاحتلال وإقامة دولة فلسطينية مستقلة وذات سيادة.
ثانياً: غوتيريش يضع غزة في قلب خطابه الافتتاحي
افتتح الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش النقاش العام في 22 أيلول/سبتمبر بخطاب وضع فيه غزة في صدارة اهتماماته - وهو خطاب حمل طابعاً وداعياً باعتبار أن ولايته تنتهي في 31 كانون الأول/ديسمبر المقبل. وقال إن ما أعقب هجوم السابع من أكتوبر 2023 كان هجوماً واسع النطاق على الفلسطينيين في غزة، مشيراً إلى أن حجم القتل والدمار كان "غير مسبوق" خلال سنوات عمله أميناً عاماً، فيما حذّر من اتساع الانقسامات الدولية وتحولها إلى أزمات أعمق.
ودعا غوتيريش إلى وقف القتال، وتدفق المساعدات الإنسانية، وحماية العاملين في المجال الإنساني، واحترام القانون الدولي، مستشهداً بالتدابير المؤقتة الملزمة التي أصدرتها محكمة العدل الدولية في قضية اتفاقية منع جريمة الإبادة الجماعية في غزة، مؤكداً ضرورة امتثال جميع الأطراف لهذه القرارات. كما ربط الأمين العام بين الوضع في غزة والتطورات في الضفة الغربية، محذراً من أن العنف والتهجير وتوسيع المستوطنات يهدد بإغلاق الطريق أمام حل الدولتين.
ثالثاً: أردوغان.. "غياب عباس لا يعني غياب فلسطين"
كانت غزة وفلسطين من أبرز محاور كلمة الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، الذي وصف ما يجري في القطاع بأنه "إبادة جماعية"، متهماً إسرائيل بقتل أكثر من 74 ألف فلسطيني خلال ثلاثة أعوام، وواصفاً إياها بأنها "أكثر معسكرات الاعتقال الجماعي وحشية وعاراً على الإنسانية في عصرنا". وانتقد أردوغان ما وصفه بعجز الأمم المتحدة عن أداء مهمتها في حفظ السلام، داعياً إلى إصلاحها ومجلس الأمن الدولي بقوله: "العالم أكبر من خمسة" - في إشارة إلى الأعضاء الدائمين الخمسة في المجلس.
وتوقف الرئيس التركي عند غياب محمود عباس عن قاعة الجمعية العامة للعام الثاني على التوالي، قائلاً إن عباس لا يستطيع أن يكون موجوداً شخصياً، لكن ذلك لن يمنع تركيا من أن تكون "صوت فلسطين الحرة"، ويحزنه عدم تمكنه من الحضور. كما دعا الدول التي لم تعترف بالدولة الفلسطينية إلى مراجعة مواقفها، وحث المجتمع الدولي على زيادة الضغط لإنهاء الحرب، مطالباً بالبدء الفوري بإعادة إعمار غزة.
وأثارت هذه الانتقادات الحادة رد فعل غير مسبوق داخل القاعة، إذ غادر الوفد الإسرائيلي - ومن بينه مندوب إسرائيل لدى الأمم المتحدة داني دانون - قاعة الجمعية العامة احتجاجاً أثناء إلقاء أردوغان كلمته، فيما قوبلت الكلمة بتصفيق حار من أعضاء الوفد الفلسطيني الحاضرين.
رابعاً: أمير قطر والعاهل الأردني.. لهجة حادة مماثلة
وصف أمير دولة قطر الشيخ تميم بن حمد آل ثاني ما جرى في غزة بأنه "وصمة عار في جبين الإنسانية جمعاء"، معتبراً إياه "إبادة جماعية بكل ما تحمله الكلمة من معنى"، محذراً من أن غياب نظام إقليمي للأمن الجماعي قد يتيح لطرف "أن يزج بجيرانه في حرب ليست حربهم"، ومؤكداً أن "الأزمة في منطقتنا نتاج لسنوات من التأجيل والحلول غير الواقعية"، وأن قطر "ظلت وسيطاً موثوقاً" في هذا الملف.
من جانبه، قال العاهل الأردني الملك عبدالله الثاني إن "المجتمع الدولي اختار إدارة الصراع بالأراضي الفلسطينية بدلاً من حله، ومن ثم استمرت الأزمة وزادت تداعياتها"، مضيفاً أن "المساءلة تبدأ عندما نسمي الأمور بأسمائها" مثل "محاولة محو الوجود الفلسطيني وفرض واقع جديد في غزة"، موضحاً أن هذه المحاولة تتم عبر "مساري التدمير في غزة والضم الفعلي للأراضي في الضفة" معاً.
خامساً: ترامب.. غزة من زاوية "خطة السلام المنجزة"
تناول الرئيس الأميركي دونالد ترامب غزة من منظور مختلف تماماً، إذ ركّز في خطابه على خطته لإنهاء الحرب وقدّمها باعتبارها مساراً مكتملاً نحو السلام. ووجّه الشكر لمصر على مساعدتها في "حل أزمة قطاع غزة"، مشيراً إلى انضمام نحو 30 دولة إلى "مجلس السلام" الخاص بالقطاع الذي يتشرف - بحسب وصفه - برئاسته، مؤكداً أنه أنهى منذ توليه منصبه 8 حروب حول العالم، بعضها استمر لعقود، وأن "الحرب في قطاع غزة انتهت". وخصّص جزءاً كبيراً من خطابه للملف الإيراني، داعياً دول العالم إلى فرض "عزلة اقتصادية كاملة" على طهران إلى أن توقف هجماتها على السفن التجارية وتتخلى عن طموحاتها النووية ودعمها للجماعات المسلحة، ومعلناً أن العمليات العسكرية الأميركية دمّرت جانباً كبيراً من قدراتها البحرية والجوية والصاروخية.
سادساً: ماكرون يرد على رواية "السلام المكتمل"
قدّم الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، في آخر خطاب له أمام الجمعية العامة قبل مغادرته الرئاسة الفرنسية العام المقبل، قراءة مغايرة تماماً لخطاب ترامب. وقال إن الحديث عن تحقيق السلام في غزة لا يتطابق مع الوضع الإنساني على الأرض، مشيراً إلى أنه لم يُفتح أي ممر إنساني حقيقي في القطاع رغم كل الحديث عن "السلام"، منتقداً تصوير الخطة الأميركية على أنها إنجاز دبلوماسي مكتمل، وداعياً إلى عدم العودة إلى "قانون الغاب" في العلاقات الدولية.
سابعاً: كندا.. مساعدات جديدة وتثبيت لحل الدولتين
أعلن رئيس الوزراء الكندي مارك كارني تقديم 100 مليون دولار كندي كمساعدات للفلسطينيين، يذهب 80 مليوناً منها للمساعدات الإنسانية المباشرة، فيما يُخصص الباقي لدعم السلام والأمن، بما في ذلك تدريب الشرطة الفلسطينية في الضفة الغربية. واعتبر كارني أن التوسع الاستيطاني الإسرائيلي يمثل تهديداً مباشراً للسلام وحل الدولتين، وناقش في لقاء مع العاهل الأردني في نيويورك الوضع الإنساني في غزة والعنف الاستيطاني في الضفة، مؤكداً دعم بلاده لحل الدولتين.
ثامناً: اجتماع "الطريق إلى الأمام".. عباس يشارك بالفيديو مجدداً
لم تقتصر التحركات على خطابات الجمعية العامة، إذ شارك الرئيس عباس، في 23 أيلول/سبتمبر، عبر الفيديو في اجتماع رفيع المستوى بعنوان "الطريق إلى الأمام: عام على إعلان نيويورك وخطة السلام الشاملة ذات النقاط الـ20"، نُظّم بدعوة مشتركة من السعودية وفرنسا وبريطانيا وكندا، وبمشاركة الأمين العام للأمم المتحدة وحشد من القادة والمسؤولين، من بينهم رئيس الوزراء الإسباني بيدرو سانشيز، ورئيس وزراء قطر محمد بن عبدالرحمن آل ثاني، ورئيس وزراء مصر مصطفى مدبولي، ووزير الخارجية الأردني أيمن الصفدي، ورئيس وزراء النرويج يوناس غار ستوره، ورئيس وزراء إيرلندا ميهال مارتن، والرئيس الفنلندي ألكسندر ستوب، ورئيس المجلس الأوروبي أنطونيو كوستا، ووزير الخارجية الباكستاني إسحاق دار، ووزير الخارجية التركي هاكان فيدان.
وركّز عباس في كلمته على إنهاء الحرب، والانسحاب الإسرائيلي الكامل من غزة، وإعادة الإعمار، ومنع التهجير، وفتح مسار سياسي يؤدي إلى إقامة دولة فلسطينية، إضافة إلى الحديث عن إصلاحات فلسطينية داخلية وخطوات انتخابية مقررة، وفق ما نقلته وكالة الأنباء الفلسطينية "وفا".
تاسعاً: موقف عربي وإسلامي مشترك
اجتمع وزراء خارجية قطر ومصر والأردن والإمارات وإندونيسيا وباكستان وتركيا والسعودية على هامش اجتماعات الجمعية العامة، وأعربوا عن قلقهم العميق إزاء استمرار المعاناة الإنسانية في غزة، داعين إلى إدخال المساعدات الإنسانية ومواد التعافي المبكر بصورة فورية وآمنة ودون عوائق، إضافة إلى إعادة تأهيل البنية التحتية الحيوية في القطاع - في مؤشر على انتقال النقاش العربي والإسلامي من مجرد الدعوة لوقف الحرب إلى ملفات أكثر ارتباطاً بإعادة الإعمار وإدارة المرحلة التالية والمسار السياسي.
عاشراً: غزة في خطاب رئيس الجمعية العامة
في افتتاح الدورة الحادية والثمانين، تحدث رئيس الجمعية العامة، البنغلاديشي خليل الرحمن، عن غزة ضمن قائمة الأزمات الدولية التي لا تزال الأمم المتحدة عاجزة عن إنهائها، مشيراً إلى أن الحرب خلّفت أكثر من 70 ألف قتيل بينهم آلاف الأطفال بحسب الرقم الذي أورده، وأن المساعدات الإنسانية المقدمة لا تزال أقل بكثير من الاحتياجات الفعلية، واضعاً غزة إلى جانب السودان وأوكرانيا وميانمار ضمن أبرز الصراعات التي تواجه النظام الدولي الحالي.
مفارقة المشهد: فلسطين غائبة جسدياً وحاضرة سياسياً
يكشف مشهد الجمعية العامة هذا العام عن مفارقة لافتة: فالوفد الفلسطيني لم يتمكن من الحضور شخصياً، لكن فلسطين وغزة كانتا من أكثر الملفات حضوراً في خطابات القادة. ففي القاعة نفسها، تحدث غوتيريش عن حجم القتل والدمار وضرورة تطبيق القانون الدولي، وجعل أردوغان غزة وغياب عباس محوراً أساسياً من خطابه، وانتقد ماكرون تقديم خطة غزة باعتبارها سلاماً مكتملاً، وأعلن كارني مساعدات جديدة ودافع عن حل الدولتين، وقدّم ترامب خطته الخاصة بوصفها مساراً منجزاً للسلام، وطالبت الدول العربية والإسلامية الثماني بتدفق المساعدات وإعادة تأهيل البنية التحتية، فيما شارك عباس نفسه عبر الفيديو مرتين خلال أسبوع واحد، متحدثاً عن إنهاء الحرب وإعادة الإعمار والدولة الفلسطينية.
خلاصة
تُظهر اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة في أيلول/سبتمبر 2026 أن غزة ما زالت في مركز الأجندة الدولية، لكن النقاش حولها بدأ يتجه بصورة أكبر من مجرد توصيف الحرب والوضع الإنساني، إلى أسئلة أكثر تعقيداً حول ما بعد الحرب: إدخال المساعدات، وإعادة الإعمار، ومستقبل الحكم في القطاع، والانسحاب الإسرائيلي، ونزع السلاح، وحل الدولتين، ودور السلطة الفلسطينية والمجتمع الدولي في إدارة هذه المرحلة الانتقالية. وفي المقابل، شكّل غياب الرئيس الفلسطيني والوفد الرسمي عن نيويورك عنصراً سياسياً بارزاً في المشهد، خصوصاً أن الجمعية العامة نفسها صوّتت بأغلبية ساحقة (152 صوتاً) للسماح بالمشاركة الفلسطينية عبر الفيديو، في تأكيد رمزي على أن حرمان دولة من الحضور المباشر لا يعني بالضرورة تغييب قضيتها عن الأجندة الدولية. وهكذا بدت صورة فلسطين في الأمم المتحدة هذا العام مزدوجة بامتياز: غياب جسدي عن قاعة القرار، وحضور سياسي ودبلوماسي مكثف يكاد يكون الأبرز بين كل ملفات الدورة الحادية والثمانين، في خطابات القادة والاجتماعات الدولية الموازية على حد سواء.