استطلاع «بيو»: أغلبية الإسرائيليين والفلسطينيين لا يرون إمكانية للتعايش
استطلاع جديد لمركز بيو يكشف تراجع الإيمان بحل الدولتين، مع رفض 68% من فلسطينيي الضفة والقدس الشرقية و56% من الإسرائيليين إمكانية التعايش السلمي.
متابعات – فيميد
أظهر استطلاع جديد أجراه مركز بيو للأبحاث أن أغلبية الإسرائيليين والفلسطينيين لا يرون إمكانية للتعايش السلمي بين إسرائيل ودولة فلسطينية مستقلة، في مؤشر جديد على اتساع فجوة الثقة بين الطرفين بعد سنوات من الصراع والحرب.
وبحسب الاستطلاع، الذي أُجري خلال ربيع 2026، قال 17% فقط من الإسرائيليين و21% من الفلسطينيين في الضفة الغربية والقدس الشرقية إن بالإمكان إيجاد طريقة تعيش فيها إسرائيل ودولة فلسطينية مستقلة جنبًا إلى جنب بسلام.
في المقابل، قال 56% من الإسرائيليين إن التعايش السلمي غير ممكن، مقابل 68% من الفلسطينيين في الضفة الغربية والقدس الشرقية.
وشمل الاستطلاع 1001 شخص في إسرائيل و1038 فلسطينيًا في الضفة الغربية والقدس الشرقية، وأُجريت المقابلات بين 30 مارس و6 مايو 2026، خلال فترة الحرب مع إيران، ولم يشمل قطاع غزة بسبب تعذر إجراء العمل الميداني هناك.
الاحتلال والخوف.. اختلاف في تفسير استحالة السلام
تكشف الإجابات المفتوحة التي جمعها بيو عن اختلاف واضح في أسباب الرفض، رغم اتفاق الطرفين على أن الصراع بات عميقًا إلى درجة تجعل التعايش السلمي يبدو بعيد المنال.
ويرى فلسطينيون كُثر أن الاحتلال الإسرائيلي للضفة الغربية والقدس الشرقية والاستيطان والحواجز والسيطرة على الحركة والموارد تمثل العوائق الأساسية أمام إقامة دولة فلسطينية مستقلة.
وأشار فلسطينيون إلى أن استمرار الاستيطان يقلص المساحة المتاحة لقيام دولة فلسطينية، فيما تحدث آخرون عن عمليات الهدم والاستيلاء على المنازل والعنف الذي يتعرض له الفلسطينيون، معتبرين أن استمرار هذه الظروف يتناقض مع إمكانية تحقيق السلام.
في المقابل، يربط عدد كبير من الإسرائيليين رفضهم لحل الدولتين بالمخاوف الأمنية، إذ يرون أن قيام دولة فلسطينية مستقلة قد يتحول إلى تهديد أمني وجودي لإسرائيل، خصوصًا في ظل التجارب السابقة والهجمات التي شهدتها المنطقة.
ويخشى بعض الإسرائيليين من أن يؤدي قيام دولة فلسطينية إلى حصولها على قدرات عسكرية ودعم دولي أكبر، أو أن تصبح الحدود الجديدة مصدرًا لهجمات متكررة.
العنف يترك أثرًا عميقًا على الطرفين
كان العنف والحروب السابقة والحرب الأخيرة من أبرز الأسباب التي ذكرها أفراد من الجانبين لتفسير رفضهم إمكانية التعايش، وبالنسبة إلى إسرائيليين، شكّلت هجمات 7 أكتوبر وما تبعها من حرب في غزة عاملًا رئيسيًا في فقدان الثقة بإمكانية إقامة دولة فلسطينية.
وفي المقابل، استحضر فلسطينيون حجم القتل والدمار في غزة، إلى جانب العنف الإسرائيلي والاستيطاني في الضفة الغربية، باعتباره دليلًا على استحالة الانتقال إلى سلام سياسي في ظل الظروف الحالية.
ويكشف ذلك عن دائرة متبادلة من الخوف والذاكرة الجماعية للعنف؛ إذ ينظر كل طرف إلى تجاربه الأمنية والإنسانية باعتبارها دليلًا على عدم إمكانية الوثوق بالطرف الآخر.
"لا نثق ببعضنا".. أزمة الثقة في قلب الصراع

أظهر تحليل إجابات المشاركين أن انعدام الثقة يمثل عاملًا محوريًا في رفض التعايش، فبعض الفلسطينيين يقولون إن إسرائيل لم تلتزم باتفاقاتها أو تعهداتها السابقة، بينما يرى إسرائيليون أن الفلسطينيين قد لا يلتزمون بأي اتفاق سلام مستقبلي.
كما تحدث أفراد من الجانبين عن الخوف الشخصي من الطرف الآخر، بما يعكس انتقال الصراع من مستوى الخلاف السياسي إلى مستوى أعمق يتعلق بالأمن الشخصي والهوية والانتماء.
ويشير التقرير إلى أن بعض المشاركين يرون أن العداء بين الطرفين أصبح متجذرًا في الأجيال الجديدة، فيما يربط آخرون الصراع باختلافات دينية وأيديولوجية وثقافية عميقة.
رغم الرفض.. أقلية ترى أن السلام لا يزال ممكنًا
رغم التشاؤم الواسع، أظهر الاستطلاع وجود أقلية في الجانبين ما تزال ترى إمكانية للتعايش، وقال بعض هؤلاء إن الحرب لا يمكن أن تستمر إلى الأبد، وإن الطرفين لا يملكان خيارًا سوى تعلم العيش معًا، فيما رأى آخرون أن حل الدولتين هو المسار الأكثر واقعية لتحديد الحدود وإنهاء الصراع.
وفي الضفة الغربية والقدس الشرقية، ربط بعض الفلسطينيين إمكانية السلام بتحقيق مكاسب اقتصادية وتحسين ظروف الحياة، بينما ركز بعض الإسرائيليين على ضرورة بناء الثقة وتوفر الإرادة السياسية.
كما دعا بعض المشاركين إلى تقديم تنازلات متبادلة، وإنهاء العنف، وتغيير المناهج وطرق التربية، فضلًا عن تدخل دولي وتوفير ضمانات أمنية وسياسية للطرفين.
تراجع تاريخي في الإيمان بحل الدولتين داخل إسرائيل
يكشف الاتجاه الزمني للاستطلاعات عن تراجع مستمر في الثقة بإمكانية التعايش داخل إسرائيل، فبحسب بيو، بلغت نسبة الإسرائيليين الذين يرون إمكانية التعايش في 2026 نحو 17% فقط، بينما وصلت نسبة من يرون أن التعايش غير ممكن إلى 56%، وهي المرة الأولى التي تتجاوز فيها هذه النسبة نصف المجتمع الإسرائيلي في استطلاعات المركز بشأن هذا السؤال.
وبين اليهود الإسرائيليين، قال 16% فقط إن حل الدولتين ممكن، مقابل 64% قالوا إنه غير ممكن.
أما بين المواطنين العرب في إسرائيل، فقد رفض أو امتنع 46% عن الإجابة، بينما انقسم الذين قدموا إجابة واضحة تقريبًا بين من يرون إمكانية التعايش ومن يستبعدونها.
وفي الجانب الفلسطيني، لم يجرِ بيو استطلاعًا مماثلًا في السنوات الأخيرة بسبب الظروف الأمنية، كما لم يتمكن المركز من إجراء مقابلات في غزة خلال استطلاع 2026.
فجوة بين "إمكانية السلام" و"شروط السلام"
تكشف نتائج الاستطلاع أن الخلاف لا يتعلق فقط بالسؤال عما إذا كان حل الدولتين ممكنًا، بل أيضًا بشروط الوصول إليه، فبينما يركز فلسطينيون على إنهاء الاحتلال والاستيطان والقيود على الحركة وإقامة دولة مستقلة، يركز إسرائيليون على الأمن والاعتراف بإسرائيل وضمان عدم تحول الدولة الفلسطينية إلى مصدر تهديد.
وبذلك، يعكس الاستطلاع فجوة مزدوجة: فجوة في الثقة، وفجوة في تعريف الشروط التي تجعل السلام ممكنًا.
واللافت أن السؤال لم يقتصر على إجابات «نعم» أو «لا»، بل طلب من المشاركين شرح أسباب مواقفهم بكلماتهم الخاصة، ما أتاح للمركز رصد المخاوف والتصورات التي تقف خلف المواقف الرقمية.
