متابعات – فيميد

 

أظهر استطلاع جديد لجامعة كوينيبياك تحولًا لافتًا في موقف الرأي العام الأمريكي تجاه الصراع الفلسطيني الإسرائيلي، إذ تجاوز التعاطف مع الفلسطينيين نظيره مع الإسرائيليين، في مؤشر يعكس استمرار تراجع التأييد الشعبي لإسرائيل.

وبحسب الاستطلاع، قال 37% من الناخبين الأمريكيين إنهم يتعاطفون أكثر مع الفلسطينيين، مقابل 36% يتعاطفون أكثر مع الإسرائيليين، بينما لم يحسم 27% موقفهم.

وقالت كوينيبياك إن هذه النتيجة تمثل أعلى مستوى للتعاطف مع الفلسطينيين وأدنى مستوى للتعاطف مع الإسرائيليين منذ بدء الجامعة قياس هذا المؤشر عام 2001.

ويظهر التحول بصورة أكثر وضوحًا بين الناخبين الديمقراطيين، إذ بلغت نسبة المتعاطفين مع الفلسطينيين 63%، مقابل 13% فقط مع الإسرائيليين، بينما يميل الجمهوريون بقوة إلى إسرائيل، بواقع 66% مقابل 10% للفلسطينيين.

ولم يقتصر التراجع على مؤشرات التعاطف، إذ أظهر الاستطلاع أن 60% من الأمريكيين يعارضون إرسال مزيد من المساعدات العسكرية إلى إسرائيل، مقابل 32% يؤيدون ذلك، وترتفع نسبة المعارضة إلى 75% بين الديمقراطيين.

وتشير النتائج إلى أن الدعم الشعبي الأمريكي لإسرائيل بات أكثر انقسامًا، خصوصًا داخل القاعدة الديمقراطية، في وقت تتزايد فيه التساؤلات حول استمرار الدعم العسكري والسياسي الأمريكي لإسرائيل.

غزة تضرب الرواية الإسرائيلية في عمقها

يأتي التحول في وقت أصبحت فيه الحرب على غزة عاملًا رئيسيًا في تشكيل التصورات الأمريكية عن إسرائيل، ففي نتائج كوينيبياك المنشورة في أغسطس 2025، قال 50% من الناخبين الأمريكيين إنهم يعتقدون أن إسرائيل ترتكب إبادة جماعية في غزة، مقابل 35% رفضوا هذا التوصيف، بينما بلغت النسبة بين الديمقراطيين 77% وبين المستقلين 51%. كما عارض 60% إرسال مساعدات عسكرية إضافية إلى إسرائيل، مقابل 32% أيدوا ذلك.

ضربة للمعادلة التقليدية داخل الحزب الديمقراطي

يظهر التحول بصورة أكثر وضوحًا داخل القاعدة الديمقراطية، ففي بيانات كوينيبياك، قال 63% من الديمقراطيين إن تعاطفهم أكبر مع الفلسطينيين، مقابل 13% فقط مع الإسرائيليين. وبين المستقلين، بلغت النسبة 40% للفلسطينيين مقابل 32% للإسرائيليين. وفي المقابل، ظل الجمهوريون أكثر ميلًا إلى إسرائيل، إذ أيد 66% منهم الإسرائيليين مقابل 10% للفلسطينيين.

وهذا الانقسام يكشف مشكلة استراتيجية لإسرائيل: فالدعم الأمريكي لها لم يعد يحظى بالإجماع السياسي والاجتماعي الذي تمتعت به لعقود، بل أصبح مرتبطًا بدرجة متزايدة بالانقسام الحزبي.

وبالنسبة إلى إسرائيل، فإن استمرار هذا الاتجاه يعني أن الاعتماد على الدعم الديمقراطي الأمريكي التقليدي قد يصبح أكثر صعوبة في المستقبل، خصوصًا مع تغير مواقف الأجيال الشابة والناخبين الديمقراطيين.

اللوبي المؤيد لإسرائيل أمام معركة جديدة

تحمل هذه النتائج أهمية خاصة بالنسبة إلى جماعات الضغط والمنظمات المؤيدة لإسرائيل في الولايات المتحدة، فالقوة السياسية لهذه الجماعات لم تكن تعتمد فقط على النفوذ داخل الكونغرس أو القدرة على التواصل مع الإدارات الأمريكية، وإنما أيضًا على وجود قاعدة شعبية واسعة ترى إسرائيل بصورة إيجابية وتعتبر دعمها مصلحة أمريكية ثابتة.

وتشير نتائج كوينيبياك إلى أن 40% من الناخبين الأمريكيين يرون أن الولايات المتحدة تقدم دعمًا أكبر من اللازم لإسرائيل، مقابل 42% يرون أن مستوى الدعم مناسب، بينما قال 9% فقط إن الدعم غير كافٍ. وبين الديمقراطيين ترتفع نسبة من يرون أن واشنطن تقدم دعمًا أكبر من اللازم إلى 63%.

وهذا الرقم يحمل دلالة سياسية كبيرة، لأنه يعني أن جزءًا معتبرًا من القاعدة الديمقراطية لم يعد يتعامل مع الدعم الأمريكي لإسرائيل باعتباره أمرًا بديهيًا، بل بات يرى أن واشنطن تجاوزت الحد المطلوب في دعمها لإسرائيل.

الملاحظة

النسبة

المؤشر

أعلى مستوى يسجله المؤشر للفلسطينيين

37%

التعاطف مع الفلسطينيين

أدنى مستوى يسجله المؤشر للإسرائيليين

36%

التعاطف مع الإسرائيليين

لا يتعاطفون أكثر مع أي من الطرفين

27%

لم يحسموا موقفهم

أغلبية الناخبين الأمريكيين

60%

معارضة إرسال مساعدات عسكرية إضافية لإسرائيل

أقل بكثير من نسبة المعارضة

32%

تأييد إرسال مساعدات عسكرية إضافية لإسرائيل

الأغلبية الواضحة داخل الحزب

63%

الديمقراطيون المتعاطفون مع الفلسطينيين

فارق كبير لصالح الفلسطينيين

13%

الديمقراطيون المتعاطفون مع الإسرائيليين

استمرار الانحياز الجمهوري لإسرائيل

66%

الجمهوريون المتعاطفون مع الإسرائيليين

نسبة محدودة

10%

الجمهوريون المتعاطفون مع الفلسطينيين

ثلاثة أرباع الديمقراطيين

75%

الديمقراطيون المعارضون لمساعدات عسكرية إضافية لإسرائيل

أغلبية واضحة

66%

المستقلون المعارضون لمساعدات عسكرية إضافية

 

من التعاطف إلى سؤال المساعدات والسلاح

الأهم أن التحول لا يتوقف عند المشاعر والتعاطف، فالاستطلاع نفسه أظهر أن 60% من الناخبين يعارضون إرسال مزيد من المساعدات العسكرية الأمريكية إلى إسرائيل، مقابل 32% يؤيدون ذلك. وبين الديمقراطيين وصلت المعارضة إلى 75%، وبين المستقلين إلى 66%.

وهنا تكمن الخطورة الحقيقية بالنسبة لإسرائيل، فالتعاطف الشعبي يمكن أن يتغير، لكن تحول الرأي العام إلى موقف من المساعدات العسكرية يمكن أن يتحول في نهاية المطاف إلى ضغط سياسي على أعضاء الكونغرس والإدارة الأمريكية.

وبعبارة أخرى، لم يعد السؤال فقط: «من يتعاطف معه الأمريكيون؟»، وإنما بدأ يتحول إلى: "هل يريد الأمريكيون استمرار تمويل الحرب وتسليح إسرائيل؟".

لماذا يمثل ذلك مشكلة لإسرائيل؟

اعتمدت إسرائيل لعقود على ثلاث ركائز أساسية في علاقتها بالولايات المتحدة: الدعم السياسي في واشنطن، والمساعدات العسكرية، ووجود صورة إيجابية نسبيًا لدى قطاعات واسعة من المجتمع الأمريكي.

لكن استمرار الاتجاه الحالي يمكن أن يضعف الركيزة الثالثة، الأمر الذي قد ينعكس تدريجيًا على الركيزتين الأخريين، فكلما اتسعت الفجوة بين مواقف الحكومة الأمريكية وبين مواقف الناخبين، أصبح السياسيون الأمريكيون أكثر عرضة لضغوط قواعدهم الانتخابية بشأن إسرائيل.

إسرائيل تخسر احتكار رواية "الضحية"

النتيجة الأوسع التي يمكن استخلاصها من هذه المؤشرات هي أن إسرائيل تواجه تآكلًا في احتكارها للرواية الأخلاقية والسياسية داخل الولايات المتحدة.

فبعد أن كانت الصورة السائدة في قطاعات واسعة من المجتمع الأمريكي تقوم على التعاطف التلقائي مع إسرائيل باعتبارها الطرف المهدد، باتت قطاعات متزايدة تنظر إلى الفلسطينيين باعتبارهم الطرف الأكثر تعرضًا للمعاناة، خصوصًا في ظل صور الدمار والضحايا المدنيين في غزة.

وهذا التحول لا يعني أن المجتمع الأمريكي أصبح موحدًا خلف القضية الفلسطينية، ولا يعني نهاية الدعم الأمريكي لإسرائيل؛ فالجمهوريون لا يزالون أكثر انحيازًا بوضوح إلى إسرائيل. لكنه يعني أن الإجماع الشعبي الأمريكي الذي استفادت منه إسرائيل لعقود أصبح أكثر هشاشة وانقسامًا.