متابعات – فيميد

 

كشف استطلاع حديث للمعهد الإسرائيلي لدراسات الأمن القومي (INSS) عن اتساع فجوة الثقة بين الجمهور الإسرائيلي والمؤسسة السياسية، بالتزامن مع تصاعد المخاوف من الانقسام الداخلي، الذي بات يُنظر إليه باعتباره أحد أخطر التهديدات التي تواجه إسرائيل، إلى جانب إيران والصواريخ.

وأظهرت نتائج الاستطلاع، التي تناولها تقرير في جيروزاليم بوست، أن الثقة بالمؤسسات الأمنية والعسكرية لا تزال مرتفعة مقارنة بالثقة بالقيادة السياسية، في مؤشر على اتساع الفجوة بين المجتمع الإسرائيلي والمؤسسة الحاكمة.

الجيش والموساد يحافظان على الثقة.. والحكومة في القاع

أظهر الاستطلاع أن 74% من الإسرائيليين يثقون بالموساد بدرجة عالية، و73% يثقون بالجيش الإسرائيلي، فيما تتراجع الثقة بصورة حادة عند الانتقال إلى القيادة السياسية.

ولم تتجاوز نسبة من يثقون بدرجة عالية برئيس الوزراء بنيامين نتنياهو 31%، بينما بلغت الثقة بالحكومة 25% فقط.

وتكشف هذه الفجوة عن استمرار اعتماد الجمهور الإسرائيلي على المؤسسات الأمنية باعتبارها أكثر موثوقية من القيادة السياسية، في وقت تتراجع فيه الثقة بالمؤسسة التي تتخذ القرارات السياسية والأمنية.

غالبية الإسرائيليين تشكك في دوافع القرارات الأمنية

الأكثر دلالة في نتائج الاستطلاع أن 56% من الإسرائيليين لا يعتقدون أن القرارات المتعلقة بالأمن القومي تُتخذ أساسًا وفق اعتبارات أمنية، مقابل 39% يرون أنها تستند بالدرجة الأولى إلى الاعتبارات الأمنية.

وتشير هذه النتيجة إلى أن أزمة الثقة لا تتعلق بشخص نتنياهو وحده، وإنما تمتد إلى الطريقة التي تُدار بها الملفات الأمنية والحروب والتهديدات الخارجية، وبذلك، فإن جزءًا كبيرًا من الجمهور الإسرائيلي بات يتعامل مع القرارات الأمنية والسياسية من زاوية الشك في دوافعها، وهو ما يضع القيادة أمام أزمة ثقة تتجاوز استطلاعات الشعبية التقليدية.

الانقسام الداخلي يدخل قائمة أخطر التهديدات

في تحول لافت، أظهر الاستطلاع أن 87% من الإسرائيليين يشعرون بالقلق من التوترات داخل المجتمع الإسرائيلي، وهي نسبة تفوق مستوى القلق من التهديدات الأمنية الخارجية، الذي بلغ 76%.

كما وضع 39% من المشاركين الانقسام العنيف داخل المجتمع الإسرائيلي ضمن أخطر ثلاث تهديدات تواجه إسرائيل، وهي النسبة نفسها تقريبًا لمن اعتبروا امتلاك إيران سلاحًا نوويًا تهديدًا رئيسيًا.

وجاء بعد ذلك احتمال تعرض الجبهة الداخلية لهجوم صاروخي واسع بنسبة 35%، فيما اعتبر 31% أن الإضرار بالطابع الديمقراطي لإسرائيل يمثل أحد أخطر التهديدات.

وتكشف هذه الأرقام عن تحول مهم في نظرة الإسرائيليين إلى مفهوم الأمن القومي؛ إذ لم يعد الخطر يُنظر إليه باعتباره قادمًا من الخارج فقط، بل أصبح الانقسام الداخلي نفسه جزءًا من معادلة الأمن.

69% يتوقعون أضرارًا جسيمة بسبب الصراع الداخلي

تزداد خطورة المؤشر مع توقع 69% من الإسرائيليين أن يؤدي الصراع العنيف بين المجموعات داخل إسرائيل إلى أضرار جسيمة، فيما يرى 64% أن إسرائيل غير مستعدة بما يكفي لمواجهة هذا السيناريو.

وهذا يعني أن جزءًا واسعًا من المجتمع الإسرائيلي يرى أن الاستقطاب الداخلي يمكن أن يتحول من أزمة سياسية واجتماعية إلى أزمة أمن قومي يصعب احتواؤها.

شكوك متزايدة بشأن حرب جديدة مع إيران

في الملف الإيراني، كشف الاستطلاع انقسامًا واضحًا بشأن شن ضربة إسرائيلية جديدة ضد إيران؛ إذ يؤيد 42% شن هجوم استباقي جديد، مقابل 46% يعارضونه، لكن الأهم أن الإسرائيليين لا يبدون ثقة كبيرة في قدرة حملة عسكرية جديدة على تحقيق أهدافها.

فقد رأى 29% فقط أن حملة جديدة يمكن أن تؤدي إلى تفكيك البرنامج النووي الإيراني كليًا أو إلى حد كبير، بينما أبدى آخرون تشككًا في قدرة العمل العسكري وحده على إنهاء التهديد الإيراني.

ويعكس ذلك فجوة بين الرغبة في مواجهة إيران وبين الثقة في قدرة الحرب على تحقيق نتائج حاسمة.

تراجع الثقة بواشنطن رغم استمرار الحاجة إليها

لا تقتصر أزمة الثقة على الداخل الإسرائيلي، إذ تظهر النتائج أيضًا تغيرًا في نظرة الإسرائيليين إلى الرئيس الأمريكي دونالد ترامب.

ويرى 58% أن ترامب يدعم إسرائيل عندما تتوافق مصالحه معها، بينما يراه 23% شخصية يصعب الاعتماد عليها بسبب عدم القدرة على التنبؤ بمواقفه، ولم تتجاوز نسبة من يرونه ملتزمًا بشدة بأمن إسرائيل 14%.

ومع ذلك، لا يزال التحالف مع الولايات المتحدة يحظى بأهمية كبيرة؛ إذ يرى 63% أن على إسرائيل إعطاء أهمية كبيرة للحفاظ على التحالف الاستراتيجي مع واشنطن عند اتخاذ قراراتها المتعلقة بالقضية الفلسطينية.

كما ارتفعت نسبة من يتوقعون احتمال فقدان إسرائيل للدعم الأمريكي خلال السنوات الخمس المقبلة إلى 26%، مقارنة بـ 13% في قياس سابق.

أزمة الثقة تتجاوز نتنياهو

تشير النتائج مجتمعة إلى أن إسرائيل تواجه أزمة ثقة متعددة المستويات: ثقة مرتفعة نسبيًا بالجيش والموساد، مقابل ثقة منخفضة بالحكومة ونتنياهو، وشكوك متزايدة بشأن دوافع القرارات الأمنية، وقلق متصاعد من الانقسام الداخلي.

وبذلك، لا تبدو المشكلة مجرد تراجع في شعبية الحكومة، بل أزمة أعمق تتعلق بصورة القيادة السياسية وقدرتها على إدارة الحرب والأمن والحفاظ على التماسك الداخلي.

وفي الوقت الذي تواصل فيه إسرائيل التعامل مع إيران باعتبارها تهديدًا استراتيجيًا، تكشف نتائج الاستطلاع أن قطاعًا واسعًا من الإسرائيليين بات يرى الانقسام الداخلي وأزمة الديمقراطية والثقة بالمؤسسات السياسية كجزء من التهديد الأمني نفسه.

وهذه المفارقة قد تكون من أبرز ما يكشفه الاستطلاع: المؤسسة الأمنية ما زالت تحظى بثقة الجمهور، لكن المؤسسة السياسية التي تقودها تفقد هذه الثقة تدريجيًا.