في ذكرى جريمة العدوان على قطر ومحاولة الاغتيال الفاشلة
كان الاحتلال يراهن على أن ضربة بهذا الحجم يمكن أن تربك المشهد، وتضرب الوساطة، وتبعث برسالة إلى المنطقة بأن إسرائيل قادرة على الوصول إلى من تريد.
بقلم: إبراهيم المدهون
اليوم تأتي ذكرى جريمة العدوان الإسرائيلي على دولة قطر وضيوفها من قيادة حركة حماس، حين كان هدف العدو اغتيال القيادة عبر قصف مكان اجتماع يضم قيادة الحركة ووفدها المفاوض، في محاولة لم تكن تستهدف الأشخاص وحدهم، بل كانت تستهدف الدور القطري المركزي في الوساطة، والدعم الإغاثي لقطاع غزة، وقدرة الدوحة على التواصل مع الرئيس ترامب وإقناعه بضرورة إنهاء الحرب.
كان الاحتلال يراهن على أن ضربة بهذا الحجم يمكن أن تربك المشهد، وتضرب الوساطة، وتبعث برسالة إلى المنطقة بأن إسرائيل قادرة على الوصول إلى من تريد، وأن بإمكانها فرض معادلاتها بالقوة، لكن ما حدث كان مختلفًا؛ فقد خرجت قطر أقوى بعد هذه الضربة، وأكثر حضورًا في المشهد، وأثبتت أن استهداف سيادتها لن يدفعها إلى التخلي عن أدوارها، كما أثبتت حماس أنها عصية على الكسر، وأنها لا تمتلك فقط قوة مقاومة عسكرية، بل تحمل بُعدًا مقاومًا آخر يتمثل في حضورها السياسي والدبلوماسي، وفي شبكة العلاقات والاحتضان الذي تحظى به القضية الفلسطينية، وفي قدرتها على الاستمرار رغم كل محاولات الاستهداف والاغتيال.
وفي هذه الذكرى، نترحم على الشهداء الفلسطينيين والقطريين الذين ارتقوا في هذا العدوان الغاشم، ولا يمكن أن تمرّ أسماؤهم في هذه المناسبة مرورًا عابرًا، لأن خلف كل اسم حكاية إنسان، وذاكرة، وأهلًا وأحبة، وحياة انقطعت في لحظة.
وأذكر هنا الشهيد جهاد لبد، مدير مكتب الدكتور خليل الحية، الذي كان من ألطف وأنقى الرجال بأدبه ودماثة خلقه وهدوء نفسه ونقاء سريرته؛ فلم أذكره يومًا متأففًا أو ضجرًا، رغم ما ألمّ به من فقد الوالد والإخوة في الحرب وما كان يعانيه، ومع ذلك كنا نجده دومًا يفتح الأبواب، ويواصل العمل، ويتعاون مع الإعلاميين والباحثين، وينقل ويساعد ويُنجز، وكأن أوجاعه الخاصة لم تكن تسمح له بأن يتوقف عن أداء ما يراه واجبًا عليه. كان من أولئك الرجال الذين يحملون ألمهم بصمت، ويمضون في طريقهم دون ضجيج، ويتركون أثرهم في نفوس من عرفهم دون أن يبحثوا عن الأضواء.
وأذكر كذلك الأخ الحبيب الشهيد الشيخ همام الحية، نجل الدكتور خليل الحية؛ وهكذا يُربى الرجال. كان شابًا عابدًا، زاهدًا، متفانيًا، نقيًا، هادئ الطباع، منكبًا على العلم. جلست معه مرات عديدة نتحدث عن دراسته في الفقه وأصوله وعن شغفه بالعلم، ورغم تخصصه في الشريعة، إلا أنه بدأ يؤصل لمواجهة الاحتلال مجتمعيًا عبر المقاطعة ومحاربة التطبيع وغيرها من الدراسات التي كان يعمل عليها.
نصحته يومها بأن الساحة الإعلامية تحتاج لعقول متفتحة بالعلم والعمل، وأن عليه أن يكتب ويتحدث، فابتسم يومها وهو يدرك حساسية موقع والده ودور الحركة وما تواجهه في هذه الأيام، وفضّل أن يبقى بجوار والده حتى ارتقى شهيدًا، وكأنها رسالة أبلغ من أي دراسة وكتاب وإطلالة وفكرة؛ فالدماء دومًا أبقى وأكثر نفعًا وأثرًا، وبعض المواقف لا تستطيع الكلمات أن تشرحها، فتأتي التضحية لتقول ما تعجز اللغة عن قوله.
رحم الله الشهداء وتقبلهم في عليين، وبعد عام من استهداف قطر، وفي ظل استمرار الحرب، تبدو الصورة مختلفة عما أراده الاحتلال. نتنياهو اعتذر، وهو على حافة السقوط في الانتخابات، وقيادة حماس ما زالت تنافح عن شعبها، وفشل نتنياهو في تحقيق النصر المطلق الذي وعد به، وإسرائيل تواجه عزلة دولية متزايدة، وهناك تحالفات في الخليج بدأت تتشكل لتقول لإسرائيل بوضوح: لن نسمح لك مرة أخرى بأي عربدة أو تطاول، ولن تبقى المنطقة ساحة مفتوحة أمام من يريد أن يفرض إرادته بالقوة، فاستقرار الخليج والمنطقة لا يمكن أن يقوم على تجاوز سيادة الدول أو استباحة أمنها.
وفي المقابل، هناك شعب في غزة يدفع الأثمان مضاعفة بسبب إجرام العدو وضعف النصير، شعب أنهكته الحرب، وخسر الكثير من أبنائه وبيوته وأمنه وحياته، لكنه ما زال حاضرًا، وما زالت قضيته حاضرة، وما زالت غزة تقف في قلب المشهد رغم كل هذا الألم. ومع ذلك، فإن القادم لهم قريبًا، إن شاء الله، سيكون فتحًا ونصرًا وعزة، فالتاريخ لا يُكتب دائمًا وفق إرادة الأقوى في لحظة من الزمن، والشعوب التي تدفع ثمن حريتها لا تنسى، والشهداء الذين رحلوا لا يذهبون سدى، وما بين دماء الشهداء وصمود الأحياء تبقى فلسطين حاضرة، ويبقى الأمل بأن يأتي يوم تستعيد فيه غزة أمنها وحياتها وكرامتها، ويستعيد شعبنا حقه وحريته.
رحم الله الشهداء، وحفظ قطر وأهلها، وحفظ غزة وأهلها، وكتب لشعبنا الفلسطيني الفتح والنصر والعزة.