متابعات – فيميد

 

في مادة مطولة تبدو أقرب إلى رسالة ترويجية لتطبيع حضور المسلمين داخل الجيش الإسرائيلي وتشجيعهم على الانخراط في صفوفه، استعرض موقع ynetGlobal تجارب ثلاثة جنود مسلمين يخدمون في وحدات قتالية، بينهم مجندة، مقدمًا إياهم كنماذج للاندماج والولاء للدولة، رغم الحساسية الكبيرة التي تحيط بتجنيد العرب والمسلمين في الجيش.

وتقوم المادة على إبراز قصص الجنود الثلاثة، ومواجهتهم اعتراضات من عائلاتهم أو من المجتمع العربي، إلى جانب الحديث عن تعرضهم لمواقف عنصرية من بعض زملائهم. إلا أن السرد ينتهي بصورة واضحة إلى تقديم الخدمة العسكرية باعتبارها وسيلة للاندماج وإثبات المواطنة وكسر الصور النمطية تجاه العرب، بل إن إحدى المجندات تدعو إلى جعل الخدمة العسكرية أو الوطنية إلزامية للجميع.

ويمنح  التقرير مساحة واسعة لتأكيد الجنود المسلمين استعدادهم للمشاركة في العمليات العسكرية، بما في ذلك قطاع غزة والضفة الغربية، والتعامل مع الفلسطينيين خلال عمليات الاقتحام والاحتجاز والاستجواب. كما يبرز استعدادهم لتنفيذ الأوامر العسكرية، مع عرض بعض الاستثناءات المرتبطة بمعتقداتهم الدينية.

من التهميش إلى «المواطنة» عبر بوابة الجيش

تبدو الرسالة الأبرز في المادة هي أن الجيش الإسرائيلي يمكن أن يكون بوابة للاندماج الكامل للمسلمين داخل الدولة؛ إذ يكرر الجنود أنهم يريدون «المساهمة» وأنهم يرون أنفسهم إسرائيليين، فيما تعرض تجربتهم باعتبارها نموذجًا لإمكانية تجاوز الانقسامات بين العرب واليهود من خلال الخدمة العسكرية.

ويصل الخطاب في نهاية التقرير إلى الحديث عن ضرورة «كسر الحواجز والصور النمطية»، فيما تقول إحدى المجندات إنها ستشجع شقيقاتها وبناتها مستقبلًا على الالتحاق بالجيش.

مفارقة الخطاب الرسمي

تقديم هذه التجارب الإيجابية يطرح مفارقة سياسية واضحة، في ظل خطاب عدائي متكرر من مسؤولين إسرائيليين وقيادات سياسية وعسكرية تجاه الفلسطينيين والعرب والمسلمين، ولا سيما منذ اندلاع الحرب على غزة.

ففي الوقت الذي تحاول فيه المادة تقديم الجيش باعتباره مؤسسة تستوعب المسلمين وتحترم هويتهم الدينية، يواجه الفلسطينيون داخل الأراضي المحتلة خطابًا وسياسات تتضمن توصيفات أمنية جماعية وإجراءات عسكرية واسعة، بينما تصدر عن مسؤولين إسرائيليين تصريحات تتعامل مع الفلسطينيين باعتبارهم كتلة أمنية معادية.

وفي موازاة ذلك، تعرضت المساجد الفلسطينية لاستهداف واسع؛ إذ دُمّر في غزة 835 مسجدًا بشكل كامل وأصيب 180 بأضرار جزئية، بينما استهدف المستوطنون 11 مسجدًا في الضفة الغربية خلال 2026، بينها 5 في نابلس و4 في رام الله ومسجد في كل من الخليل وطولكرم.

ومن ثم، فإن إبراز ثلاث تجارب لمسلمين اختاروا الخدمة العسكرية لا يعكس بالضرورة واقع العلاقة بين المؤسسة العسكرية الإسرائيلية والمجتمع العربي أو الفلسطيني، بل يمكن قراءته باعتباره محاولة إعلامية لإظهار الجيش كإطار جامع يتجاوز الانقسام الديني والقومي، وتشجيع مزيد من العرب والمسلمين على النظر إلى الخدمة العسكرية باعتبارها خيارًا طبيعيًا للمواطنة.

صورة مختلفة عن واقع الفلسطينيين

تزداد المفارقة وضوحًا عند مقارنة الصورة التي ترسمها المادة عن الجنود المسلمين بالواقع الذي يعيشه الفلسطينيون في غزة والضفة الغربية، حيث يرتبط الجيش الإسرائيلي في الوعي الفلسطيني بالاقتحامات والاعتقالات والعمليات العسكرية وهدم المنازل والتهجير.

كما أن التقرير، رغم حديثه عن العنصرية داخل الجيش، لا يتوقف طويلًا عند البنية السياسية والأمنية التي تجعل الفلسطينيين أنفسهم في مواجهة مستمرة مع المؤسسة العسكرية الإسرائيلية، بل يركز على قدرة بعض المسلمين على تجاوز هذا التناقض والانضمام إلى الجيش.

وبذلك تتحول قصص الجنود الثلاثة من مجرد شهادات شخصية إلى سردية إعلامية تقدم الخدمة العسكرية بوصفها مساحة للاندماج والاعتراف والارتقاء الاجتماعي، في مقابل تهميش النقاش حول التناقض بين هذه الرسالة وبين الخطاب والسياسات الإسرائيلية تجاه الفلسطينيين والعرب.

وتكشف المادة في جانب آخر عن مفارقة لافتة: الترحيب بالمسلم حين يرتدي الزي العسكري الإسرائيلي، مقابل استمرار التعامل الأمني والسياسي القاسي مع الفلسطيني حين يُنظر إليه من موقع الهوية القومية لا من موقع الجندي الإسرائيلي.