كيف تنظر مراكز الدراسات الإسرائيلية إلى الانتخابات الفلسطينية المقبلة؟
نشر مركز بيغن-السادات للدراسات الاستراتيجية ، أكثر التحليلات تفصيلاً ، تحت عنوان "من نصر الوعي إلى الإقصاء السياسي: حماس والانتخابات الفلسطينية للعام 2026"،
تقرير خاص - فيميد
مع اقتراب موعد الانتخابات الفلسطينية المقررة نهاية عام 2026 وأوائل 2027، بدأت مراكز الأبحاث والدراسات الاستراتيجية الإسرائيلية بإصدار تحليلاتها حول هذا الاستحقاق، حاملة في مجملها رؤية تتقاطع مع الموقف الرسمي لإدارة عباس القائم على استبعاد حماس، لكنها تحمل في الوقت ذاته قراءة نقدية لمآلات هذا الاستبعاد ولمستقبل الحركة السياسي.
مركز بيغن-السادات (BESA): "نصر معنوي" مقابل "هزيمة سياسية"
نشر مركز بيغن-السادات للدراسات الاستراتيجية (BESA)، التابع لجامعة بار إيلان، أحد أكثر التحليلات تفصيلاً حول هذا الملف، بقلم الباحث د. شاؤول برتال، تحت عنوان "من نصر الوعي إلى الإقصاء السياسي: حماس والانتخابات الفلسطينية للعام 2026"، نُشر في 6 آب/أغسطس 2026.
الإطار العام: انتخابات كأداة شرعية دولية جديدة
يرى برتال أن الانتخابات الفلسطينية المقررة - للمجلس الوطني في 1 تشرين الثاني/نوفمبر، وللمجلس التشريعي في 28 من الشهر ذاته، والرئاسية مطلع 2027 - تُجرى ضمن إطار إصلاح مؤسسي يهدف أساساً إلى مواءمة السلطة الفلسطينية مع متطلبات المجتمع الدولي سعياً للحصول على اعتراف بدولة فلسطينية مستقبلية، وفق ما تنص عليه خطة النقاط العشرين وقرار مجلس الأمن رقم 2803. ويعتبر الباحث أن الاستبعاد المتعمد لحماس والجهاد الإسلامي من هذه العملية - بوصفهما منظمتين مصنفتين إرهابيتين دولياً - يمثل جوهر هذا الإصلاح، إذ يخلق "مصدر شرعية جديداً" للنظام السياسي الفلسطيني لا يستند إلى فوز حماس في انتخابات 2006، بل إلى إطار مؤسسي تُستبعد منه الحركة من الأساس.
"نصر الوعي"
يسلّط التحليل الضوء على الرواية التي تقدمها حماس لتفسير نتائج الحرب، مستنداً إلى كتيبين نشرتهما الحركة في كانون الأول/ديسمبر 2024 وكانون الثاني/يناير 2025، تزعم فيهما تحقيق ما تسميه "انتصاراً في الوعي"، مستشهدة بعزلة إسرائيل الدولية المتزايدة، وتشديد العقوبات عليها، وتدهور الرأي العام الأميركي والطلابي تجاهها، وصدور مذكرات توقيف دولية بحق مسؤوليها. ويرى برتال أن حماس تُقر ضمنياً بهزيمة عسكرية تكتيكية، لكنها تصر على عدم هزيمتها استراتيجياً، معتبرة نفسها و"محور المقاومة" منظومة مرنة قادرة على التكيف، في مقابل وصفها لإسرائيل بأنها تملك قوة عسكرية كبرى لكنها عاجزة عن تحقيق "نصر استراتيجي دائم".
الهزيمة السياسية الفعلية
في المقابل، يخلص الباحث إلى أن ضعف حماس العسكري الحالي منح محمود عباس "فرصة سياسية سانحة"، مدركاً أن السماح بمشاركة حماس والجهاد بعد السابع من أكتوبر سيجر تداعيات دولية خطيرة تشمل خفض المساعدات المالية والضغوط من الدول المانحة وإجراءات مضادة إسرائيلية وأميركية. ويستشهد التحليل بمقال نشره الكاتب محمد شاهين على موقع المركز الفلسطيني للإعلام التابع لحماس، جادل فيه بأن رفض شرعية الانتخابات "ليس رفضاً للديمقراطية، بل دفاعاً عن معناها الحقيقي"، معتبراً أن انتخابات دون مشاركة تيار إسلامي يمثل حماس والجهاد تتعارض مع إرادة الشعب الفلسطيني ولن تؤدي إلا لتقوية فتح - وهو ما يفسر، بحسب برتال، الحملة الإعلامية التي تشنها حماس ووسائل إعلامها لتصوير عباس والسلطة بأنهما "فاسدان وعاجزان عن تمثيل الإرادة الشعبية".
ويخلص الباحث إلى أن حماس، رغم استمرار تأييدها الشعبي الكبير نتيجة هجوم السابع من أكتوبر، تفتقر إلى أي قناة سياسية رسمية لتحويل هذا التأييد إلى قوة انتخابية فعلية، باستثناء خيار المقاطعة - وهو خيار يرى برتال أن التجربة التاريخية (لا سيما انتخابات 1996) تُظهر أنه لن يُقوّض بالضرورة شرعية العملية الانتخابية في نظر معظم الأطراف الدولية. وبذلك، يرى المركز أن حماس مُنيت "بهزيمة سياسية داخلية" موازية لهزيمتها العسكرية، رغم استمرار خطابها عن "الصمود والمقاومة"، معتبراً الفجوة بين "النصر الفكري" المعلن و"الهزيمة السياسية" الملموسة إحدى أبرز سمات المرحلة الحالية لما بعد السابع من أكتوبر.
منع العودة عبر صندوق الاقتراع
تعكس هذه القراءة مخاوف إسرائيلية من أن تتحول الانتخابات العامة، في حال شاركت فيها حماس بصورة كاملة، إلى بوابة لعودتها إلى مركز النظام السياسي الفلسطيني.
ويشير الطرح الإسرائيلي إلى أن استمرار حضور الحركة في الشارع الفلسطيني يجعل نتائج أي انتخابات عامة مفتوحة على احتمالات لا يمكن قياسها بالاعتماد على الانتخابات المحلية وحدها.
وهذا ما تؤكده ورقة أخرى صادرة عن معهد دراسات الأمن القومي الإسرائيلي (INSS) بعنوان "الانتخابات المحلية في السلطة الفلسطينية: بين الديمقراطية الإجرائية وسياسة العشائر".
فالورقة، التي كتبها الباحث كوبي مايكل ونُشرت في 18 مايو/أيار 2026، شددت على أن الانتخابات المحلية التي جرت في أبريل/نيسان لا يمكن اعتبارها مؤشرًا حقيقيًا على نتائج انتخابات عامة مستقبلية، بسبب غياب المنافسة المباشرة بين حماس وفتح.
وقالت الورقة إن حماس، رغم مقاطعتها الانتخابات رسميًا، بقيت حاضرة بصورة غير مباشرة، وإن غيابها عن السباق جعل من الصعب استخلاص توازن القوى الحقيقي داخل الساحة الفلسطينية.
شروط المشاركة والإقصاء السياسي
لفتت ورقة INSS إلى أن شروط الترشح في الانتخابات المحلية تضمنت الالتزام بمنظمة التحرير الفلسطينية وبرنامجها السياسي والاتفاقيات ذات الصلة، وهي شروط اعتبرت الحركة أنها تستهدف عمليًا استبعادها وفصائل أخرى من المنافسة.
وفي السياق نفسه، أعلنت لجنة الانتخابات المركزية الفلسطينية في أغسطس/آب الجاري استمرار العمل بشرط التزام المرشحين بمنظمة التحرير الفلسطينية ممثلًا شرعيًا ووحيدًا للشعب الفلسطيني وبرنامجها السياسي والوطني وقرارات الشرعية الدولية ذات الصلة.
وتعكس هذه الشروط، من وجهة النظر الإسرائيلية، أهمية بناء نظام سياسي فلسطيني جديد يقوم على مؤسسات لا تكون حماس جزءًا منها.
هاجس تكرار انتخابات 2006
يظل فوز حماس في الانتخابات التشريعية الفلسطينية عام 2006 حاضرًا بقوة في الحسابات الإسرائيلية.
فالمشكلة، وفق القراءة التي تعكسها أوراق مراكز الدراسات الإسرائيلية، لا تتعلق فقط بشعبية الحركة، بل بإمكانية أن يمنحها الاقتراع شرعية سياسية ومؤسسية جديدة، تسمح لها بالعودة إلى مؤسسات القرار الفلسطيني من موقع مختلف عن مرحلة سيطرتها المباشرة على قطاع غزة.
وتشير ورقة BESA إلى أن الانتخابات المقبلة يُراد لها، من منظورها، أن تؤسس لشرعية فلسطينية جديدة لا تستند إلى نتائج انتخابات 2006، بل إلى إطار سياسي ومؤسسي جديد تكون حماس خارجه.
مفارقة إسرائيلية
تواجه القراءة الإسرائيلية مفارقة واضحة، فمراكز الدراسات الإسرائيلية تتحدث عن ضرورة إقصاء حماس من النظام السياسي الفلسطيني، وفي الوقت نفسه تكشف ورقة INSS أن الانتخابات التي تجري في غياب المنافسة بين حماس وفتح لا يمكن التعامل معها باعتبارها تعبيرًا كاملًا عن موازين القوى أو الإرادة السياسية الفلسطينية.
وذكرت ورقة المعهد أن نتائج الانتخابات المحلية تأثرت بمقاطعة حماس، وبانخفاض المشاركة، وبطبيعة القوائم المحلية والعشائرية، الأمر الذي يجعل من الصعب اعتبارها نموذجًا لما يمكن أن يحدث في انتخابات عامة تشارك فيها القوى الفلسطينية الرئيسية.
معركة على شكل النظام الفلسطيني
في هذا السياق، تبدو الانتخابات الفلسطينية المقبلة، في نظر العديد من مراكز التفكير الإسرائيلية، أكثر من مجرد عملية لاختيار ممثلين.
إنها معركة على من يمتلك الشرعية السياسية داخل النظام الفلسطيني المقبل، وعلى ما إذا كانت حماس ستبقى خارج المؤسسات الرسمية أم ستتمكن من العودة إليها عبر الانتخابات.
وبينما تدفع بعض القراءات الإسرائيلية باتجاه بناء نظام سياسي فلسطيني يستبعد الحركة، تؤكد تحليلات أخرى أن استبعاد القوة السياسية الأكثر تأثيرًا من أي عملية انتخابية يطرح في المقابل أسئلة صعبة حول مدى تمثيل تلك الانتخابات للخريطة السياسية الحقيقية.
وكان الرئيس الفلسطيني محمود عباس قد أصدر في فبراير/شباط 2026 مرسومًا يدعو إلى انتخابات المجلس الوطني الفلسطيني، مع النص على إجرائها في الوطن والشتات حيثما أمكن، بما يضمن أوسع مشاركة ممكنة للفلسطينيين.
وهكذا، فإن المعركة حول الانتخابات الفلسطينية لا تتوقف عند موعد الاقتراع أو آلياته، بل تمتد إلى سؤال أوسع: من يحق له المشاركة في تشكيل النظام السياسي الفلسطيني القادم، ومن يملك حق تحديد حدود الشرعية داخله؟
خلاصة
تعكس القراءة الإسرائيلية لمراكز الدراسات الاستراتيجية، وعلى رأسها تحليل مركز بيغن-السادات، اقتناعاً بأن الانتخابات الفلسطينية المقبلة تمثل فرصة استراتيجية لتحقيق ما عجزت عنه المواجهة العسكرية وحدها: تحييد حماس سياسياً عبر آلية مؤسسية "ديمقراطية الشكل"، دون أن يعني ذلك بالضرورة زوال الحركة كقوة فاعلة على الأرض أو تراجع حاضنتها الشعبية. وفي الوقت ذاته، تحرص هذه المراكز على تسجيل تحفظات ضمنية حول محدودية ما يمكن أن تحققه هذه الانتخابات فعلياً، سواء من حيث قدرتها على إنتاج شريك فلسطيني قوي وموحد، أو من حيث احتمال أن يتحول استبعاد حماس إلى عامل يغذي أزمة شرعية جديدة أكثر منه حلاً جذرياً لمعضلة التمثيل السياسي الفلسطيني على المدى الطويل.