تقرير خاص – فيميد

 

على مدى أكثر من عقدين، ظل اسم "أبو عبيدة" أحد أكثر الأسماء رمزية في المشهد الفلسطيني، لا بوصفه شخصاً بعينه فحسب، بل بوصفه مؤسسة إعلامية وعسكرية ونفسية قائمة بذاتها داخل كتائب القسام - مؤسسة أثبتت قدرتها على الاستمرار حتى بعد اغتيال إسرائيل لمن حمل هذا الاسم لعقدين كاملين، لتنهض بصوت جديد يواصل المسيرة ذاتها تحت الكوفية الحمراء واللقب نفسه.

من "الملثم المجهول" إلى أبرز مطلوبي الاغتيال

يعود أول ظهور لـ “أبو عبيدة" بصفة "الناطق الإعلامي لكتائب القسام" إلى ما بعد الانسحاب الإسرائيلي من قطاع غزة عام 2005، حين كُشف عن تسمية مكتب إعلامي لكتائب عز الدين القسام في أوائل عام 2004. وظلت هويته الحقيقية سراً محاطاً بالغموض طوال أكثر من عشرين عاماً، إذ لم تكشف حماس عن اسمه الحقيقي - حذيفة سمير عبد الله الكحلوت - إلا بعد إعلان استشهاده.

وُلد الكحلوت في 11 شباط/فبراير 1984 في المملكة العربية السعودية لعائلة تعود أصولها إلى قرية "نعليا" قضاء عسقلان، إحدى القرى التي دُمرت وهُجّر أهلها عام 1948، قبل أن تعود الأسرة لاحقاً لتستقر في مخيم جباليا شمالي قطاع غزة. ارتبط بحركة حماس منذ سنوات دراسته الثانوية، حين كان عضواً في "الكتلة الإسلامية" - الجناح الطلابي للحركة - قبل أن ينضم إلى كتائب القسام في جباليا، ليصبح ناطقاً رسمياً باسمها عام 2002، وحصل على درجة الماجستير في أصول الدين من جامعة الأزهر بغزة عام 2013، برسالة بعنوان "الأرض المقدسة بين اليهودية والمسيحية والإسلام". وبصفته رئيس دائرة الإعلام العسكري في القسام، أشرف على أقسام التوثيق والتصوير والعمليات النفسية وإدارة المنصات الإعلامية وإصدار البيانات، وكان مقرباً من القائد العام للكتائب محمد الضيف، وأحد المقربين لاحقاً من محمد السنوار، ومن قادة القسام البارزين المشاركين في دائرة صنع القرار داخل المجلس العسكري، لا مجرد ناطق إعلامي فحسب.

كُنّي حذيفة الكحلوت بـ “أبي عبيدة" تيمناً بالصحابي أبي عبيدة بن الجراح، فاتح القدس في عهد الخليفة عمر بن الخطاب، ويختتم خطاباته عادة بعبارة كتائب القسام الشهيرة: "وإنه لجهاد، نصر أو استشهاد" - المأخوذة عن الشهيد عز الدين القسام قبيل استشهاده في معركة أحراش يعبد عام 1935. وارتدى طوال مسيرته الكوفية الحمراء التاريخية، وهي الكوفية ذاتها التي كان يرتديها الشهيد عماد عقل في وقت سابق قبل استشهاده - ربطاً رمزياً متعمداً بسلسلة القيادات العسكرية التاريخية للحركة.

محطات مسيرته: من "الوهم المتبدد" إلى "طوفان الأقصى"

شهد ظهوره الإعلامي الأول في برنامج قديم صوّرته قناة الجزيرة عام 2005 بعنوان "كتائب القسام في ضيافة البندقية"، تأخر بثه حتى عام 2014. غير أن الشارع العربي عرفه فعلياً في حزيران/يونيو 2006، حين توعّد بتحويل مستوطنة سديروت إلى "مدينة أشباح" رداً على تصاعد العدوان الإسرائيلي على غزة، قبل أن يُعلن بُعيد ذلك، في عملية "الوهم المتبدد" شرق رفح، مسؤولية المقاومة عن أسر الجندي الإسرائيلي جلعاد شاليط، مؤكداً أن سبيل الإفراج عنه لن يكون إلا عبر صفقة تبادل تعيد الحرية للأسرى الفلسطينيين - وهي العملية التي شكّلت نقطة التأسيس الفعلية لحضوره كأحد أعمدة السردية الفلسطينية.

بلغ حضوره ذروته الأولى خلال عدوان عام 2014، حين أعلن عن عمليات إنزال خلف خطوط الاحتلال، وتبنّي المقاومة أسر الجندي شاؤول آرون، وفقدان الاتصال بالمجموعة التي أسرت هدار جولدن - كلمات لا تزال، بحسب متابعين، ترنّ في وجدان كثير من الفلسطينيين حتى اليوم. واتسعت شهرته أكثر مع معركة "سيف القدس" عام 2021، حتى صار انتظار خطاباته "عادة أساسية" لدى شرائح واسعة من الجمهور العربي، مصحوبة بارتباط عاطفي واضح حوّله إلى الأيقونة الأكثر شهرة بين نظرائه.

أما اللحظة الأكثر مصيرية في مسيرته فكانت مع عملية "طوفان الأقصى" في السابع من أكتوبر 2023، حين أطلّ في اليوم التالي مباشرة، 8 تشرين الأول/أكتوبر، برسالة صوتية مقتضبة تناولت ملف أسرى الاحتلال، أعقبتها كلمة مسجلة أطول بعد نحو ساعتين، لينطلق بعدها ظهوره شبه اليومي طوال سنوات الحرب عبر رسائل صوتية ومرئية وتغريدات نصية رافقت مجريات المعركة لحظة بلحظة. ومن أبرز هذه المحطات كلمته بمناسبة مرور عام كامل على عملية طوفان الأقصى في تشرين الأول/أكتوبر 2024، التي تناولت في سبعة محاور مسار الحرب وملفات الإسناد الإقليمي وما وصفه بـ “الخذلان" العربي والدولي.

خصائص صنعت حضوره الإعلامي الاستثنائي

يجمع محللون ومتابعون على أن حضور "أبو عبيدة" لم يكن وليد الصدفة أو مجرد نتاج لظرف سياسي عابر، بل استند إلى مجموعة خصائص متكاملة صنعت منه ظاهرة إعلامية بحد ذاتها:

لغة عربية فصيحة ومحكمة: عُرفت خطاباته بلغتها العربية الرفيعة وصياغتها الأدبية المتقنة، بعيداً عن الخطاب العسكري الجاف المعتاد، ما جعلها أقرب إلى نص أدبي-سياسي مكثّف قابل للاقتباس والتداول.

انضباط صارم في الشكل والمضمون: هيئة عسكرية محكمة، وحضور بصري ثابت (الكوفية الحمراء، الزي الموحد، خلفية الظهور)، ونهاية متكررة لا تتغير ("وإنه لجهاد، نصر أو استشهاد") - عناصر بَنَت هوية بصرية وسمعية متكاملة يسهل التعرف عليها فوراً.

مزج المهمة العسكرية بالبعد النفسي: لم يكن ظهوره مقتصراً على نقل الأخبار العسكرية، بل حمل بعداً نفسياً موجهاً مباشرة للخصم وللجمهور الفلسطيني في آن، بما جعل من كل ظهور له "حدثاً بحد ذاته" يترقبه المتابعون والمهتمون بالشأن الفلسطيني على حد سواء.

الغموض المدروس كأداة قوة: الحفاظ على سرية الهوية لأكثر من عشرين عاماً، رغم محاولات إسرائيلية متكررة لكشفها (كما في محاولة المتحدث باسم الجيش الإسرائيلي أفيخاي أدرعي بعد طوفان الأقصى، التي انتهت بفشل ذريع حين تبيّن أن الصورة "المسربة" هي ذاتها التي زُعم نشرها عام 2014) - حوّل الغموض نفسه إلى عنصر جذب إعلامي وأداة تفوق نفسي على الخصم.

الثبات وسط الفوضى: ظل صوته وأسلوبه ثابتين نسبياً عبر عقدين من التحولات السياسية والعسكرية المتلاحقة، ما منحه طابع "المرجعية" الثابتة وسط مشهد شديد التقلب.

حضور شعبي متجذر يتجاوز حدود فلسطين

لم يقتصر تأثير "أبو عبيدة" على الجمهور الفلسطيني وحده، بل تجاوزه إلى شرائح واسعة من الجمهور العربي الذي تابع خطاباته بوصفها جزءاً من متابعته اليومية للحدث الفلسطيني، خصوصاً خلال سنوات الحرب الأخيرة. وقد وثّقت تقارير إعلامية عربية ودولية هذا الحضور اللافت، معتبرة ظهوره في كل مواجهة على غزة "حدثاً بحد ذاته"، ونموذجاً لخطاب "يقاتل بالكلمة كما يقاتل بالسلاح"، يُبقي جذوة الصمود الشعبي مشتعلة في أوساط الفلسطينيين حتى في أحلك لحظات الحرب.

ورغم مرور نحو عام كامل على استشهاده في نهاية آب/أغسطس 2025، لا تزال مقاطع خطاباته وصوره - وعلى رأسها كلماته خلال عدوان 2014 وكلمته في ذكرى طوفان الأقصى الأولى وظهوراته المتكررة خلال أيام الحرب الأولى - متداولة بكثافة عبر منصات التواصل الاجتماعي والقنوات الإعلامية، في مؤشر على أن أثره الرمزي تجاوز حدود الحدث الآني ليتحول إلى جزء من الذاكرة الجمعية الفلسطينية والعربية المرتبطة بهذه المرحلة من الصراع، بصرف النظر عن استمرار الجدل حول هوية من يحمل الاسم اليوم بعد وفاة صاحبه الأول.

الهوية المحاطة بالسرية.. محاولات إسرائيلية متكررة للكشف عنها

شكّل الغموض المحيط بهوية "أبو عبيدة" أحد أهم أسلحته الرمزية، إذ اعتُبر من أوائل المطلوبين على قوائم الاغتيال الإسرائيلية باعتباره "الشريان الرئيس" للحرب النفسية والإعلامية التي تخوضها حماس وفصائل المقاومة. وفي عام 2014، نشرت وسائل إعلام عبرية، بإيعاز من جهاز الشاباك، صورة زعمت أنها له، غير أن حماس نفت هذه المزاعم مؤكدة أن الصورة "مركّبة". كما أدرجته الخزانة الأميركية على قوائم العقوبات (OFAC) في 12 نيسان/أبريل 2024، على خلفية نشاطه الاتصالي والدعائي.

الاستشهاد: نهاية الرجل، لا نهاية الاسم

في 30 آب/أغسطس 2025، أعلنت إسرائيل تنفيذ غارة جوية استهدفت مبنى في حي الرمال بمدينة غزة، أسفرت عن استشهاد حذيفة الكحلوت برفقة زوجته وثلاثة من أطفاله. وواجهت عملية التعرف على جثمانه صعوبة كبيرة بسبب تفتت أجزاء كبيرة منه جراء القصف، وكان جزء من يده هو ما حسم تحديد هويته لاحقاً بشكل قاطع. ولم تكن غارة اغتياله معزولة، إذ أعلنت كتائب القسام في الوقت ذاته استشهاد عدد من كبار قادتها إلى جانبه، من بينهم محمد السنوار ورائد سعد وحكم العيسى ومحمد شبانة - في ضربة استخباراتية وميدانية موجعة استهدفت قمة الهرم القيادي العسكري للحركة دفعة واحدة.

ناطق جديد يواصل المسيرة تحت اللقب ذاته

في 29 كانون الأول/ديسمبر 2025، وبعد دخول اتفاق وقف إطلاق النار حيز التنفيذ، ظهر ناطق عسكري جديد باسم كتائب القسام حاملاً الاسم واللقب ذاتهما - "أبو عبيدة" - في أول ظهور علني له، نعى خلاله سلفه حذيفة الكحلوت وقادة القسام الذين استُشهدوا معه، مؤكداً "مواصلة نهج الجهاد والمقاومة". وفي 5 نيسان/أبريل 2026، عاد "أبو عبيدة" الجديد بكلمة علنية بعد صمت طويل، حملت رسائل واضحة الاتجاه نحو الاحتلال الإسرائيلي والتطورات الإقليمية المرتبطة بملفات إيران ولبنان واليمن.

خلاصة

يكشف مسار "أبو عبيدة"، من ظهوره الأول المجهول الهوية عام 2004 مروراً بمحطاته الكبرى في أسر شاليط عام 2006 وعدوان 2014 وسيف القدس 2021، وصولاً إلى طوفان الأقصى واستمرار حمل اسمه بعد استشهاد صاحبه الأول، أن كتائب القسام صمّمت هذا الموقع منذ البداية ليتجاوز الفرد إلى المؤسسة. فبفضل مزيج من اللغة المحكمة، والانضباط البصري والخطابي، والغموض المدروس، تحوّل "أبو عبيدة" إلى أيقونة شعبية تجاوز أثرها الحدث الآني لتستقر في الذاكرة الجمعية الفلسطينية والعربية، ولا تزال خطاباته وصوره متداولة بكثافة بعد نحو عام على استشهاده - في تأكيد على أن الاسم والدور الرمزي الذي بناه حذيفة الكحلوت استمر مباشرة عبر خلف يحمل الكوفية واللغة والنبرة ذاتها، فيما يبقى الغموض حول هوية من يقف اليوم خلف هذا الاسم جزءاً أصيلاً من قوة هذه الشخصية الرمزية ذاتها.