مؤتمر فلسطينيي تركيا يناقش مستقبل الانتخابات ومسار الوحدة الفلسطينية
شهد اللقاء نقاشًا معمقًا حول التحديات التي تواجه الساحة الفلسطينية، وإمكانية التوصل إلى صيغة وطنية تهيئ لإجراء الانتخابات التشريعية والرئاسية والمجلس الوطني.
خاص – فيميد
شهدت مدينة إسطنبول لقاءً وطنيًا فلسطينيًا جامعًا نظمه مؤتمر فلسطينيي تركيا، بمشاركة نائب الأمين العام للجبهة الشعبية لتحرير فلسطين جميل مزهر، ونائب الأمين العام لحركة الجهاد الإسلامي محمد الهندي، والمستشار السياسي لرئيس حركة حماس في الخارج جمال عيسى، لمناقشة التطورات السياسية والميدانية المتسارعة، وبحث مستقبل القضية الفلسطينية وآفاق إنهاء الانقسام وإعادة ترتيب النظام السياسي الفلسطيني.
وشهد اللقاء نقاشًا معمقًا حول التحديات التي تواجه الساحة الفلسطينية، وإمكانية التوصل إلى صيغة وطنية تهيئ لإجراء الانتخابات التشريعية والرئاسية وانتخابات المجلس الوطني، إلى جانب طرح رؤى ومخارج للتعامل مع حالة الانقسام، في ظل التحولات المتسارعة التي تشهدها القضية الفلسطينية والمنطقة، وما تفرضه من تحديات على مستقبل المشروع الوطني الفلسطيني.
وطرح المتحدثون خلال الندوة رؤى متباينة في بعض التفاصيل، لكنها التقت على ضرورة التعامل مع المرحلة باعتبارها لحظة مفصلية في تاريخ القضية الفلسطينية، وعدم اختزال الأزمة في التطورات اليومية أو في تغيير حكومة إسرائيلية أو شخصية سياسية بعينها.
مزهر: المطلوب مخرج وطني بعيدًا عن المحاصصة
ركز جميل مزهر نائب الأمين العام للجبهة الشعبية لتحرير فلسطين في كلمته على الأزمة الداخلية الفلسطينية، داعيًا إلى تجاوز الحسابات الفصائلية والشخصية، والبحث عن مخرج وطني يحمي القضية الفلسطينية وينقذ الشعب الفلسطيني من حالة الانقسام والتشرذم.
وقال إن التحرك الذي تقوم به الفصائل لا يستهدف الحصول على مواقع أو مقاعد أو حصص أو مكاسب سياسية، وإنما يأتي انطلاقًا من أولوية القضية الوطنية.
وأوضح أن هناك اتصالات مع حركة فتح، وأن المقترح المطروح أمام مختلف القوى الفلسطينية يقوم على الدخول في مرحلة انتقالية يجري خلالها تهدئة حالة الصراع والخلافات الداخلية، تمهيدًا للانتقال إلى معالجة أوسع للأزمة السياسية.
ووجّه مزهر المبادرة إلى فتح وحماس والجهاد الإسلامي والجبهة الشعبية وسائر القوى والمكونات الوطنية، معتبرًا أن المطلوب هو إيجاد «طوق نجاة» للشعب الفلسطيني، بدل استمرار الانقسام في ظل الظروف التي تمر بها القضية.
الهندي: المعركة تجاوزت الميدان إلى الوعي
من جانبه، قدّم محمد الهندي نائب الأمين العام لحركة الجهاد الإسلامي قراءة أوسع للتغيرات التي أحدثتها الحرب، مؤكدًا أن المواجهة لم تعد عسكرية فقط، وإنما امتدت إلى المجالات السياسية والاقتصادية والإعلامية والثقافية.
وحذّر الهندي من أن المعركة الأعمق باتت مرتبطة بالوعي والعقل والهوية، معتبرًا أن السيطرة على وعي الشعوب تمثل أحد الأهداف الأساسية للصراع، وأن الهزيمة لا تتمثل فقط في الخسائر العسكرية أو الاقتصادية، وإنما في فقدان القدرة على الحفاظ على الوعي بالقضية.
وأشار إلى أن نتائج المواجهة الحالية ستترك آثارًا تمتد لعقود، مستشهدًا بما خلّفته نكبة عام 1948 من تحولات وحروب ومعاهدات وترتيبات سياسية في المنطقة.
وتناول الهندي التحولات التي طرأت على صورة إسرائيل بعد الحرب، معتبرًا أن الصورة التقليدية التي قُدمت بها باعتبارها قوة عسكرية قادرة على حسم أي مواجهة خلال وقت قصير قد تعرضت لضربة كبيرة.
ورأى أن استمرار الحرب لسنوات دون حسم عسكري، رغم الدعم الأميركي والغربي، كشف عن أزمة في القدرة الإسرائيلية على تحقيق أهدافها، كما أشار إلى أن إسرائيل باتت تواجه تحديات على مستوى صورتها الدولية، وفي معركة الوعي داخل المجتمعات الغربية.
واعتبر أن إسرائيل لم تعد تواجه المعركة داخل فلسطين فقط، وإنما باتت تدخل في مواجهات وتوترات مع أطراف ودول أخرى، وهو ما رأى فيه انعكاسًا لتحولات أوسع في البيئة الإقليمية والدولية المحيطة بها.
وربط الهندي التطورات الفلسطينية بالصراع الدولي المتصاعد على النفوذ، معتبرًا أن العالم يعيش مرحلة انتقالية تتنافس خلالها قوى متعددة على شكل النظام الدولي المقبل.
وقال إن الهيمنة الأميركية التي سادت خلال العقود الماضية أصبحت محل تحدٍ وتساؤل، وإن هذا التحول الدولي يفرض على الفلسطينيين والعرب قراءة المشهد بصورة مختلفة، وعدم التعامل مع القضية الفلسطينية بمعزل عن التحولات الجارية في المنطقة والعالم.
كما انتقد الرهان على تغيير الإدارة الأميركية أو الحكومة الإسرائيلية باعتباره مدخلًا رئيسيًا لحل القضية الفلسطينية، مؤكدًا أن المشكلة، من وجهة نظره، أوسع من شخص نتنياهو أو دونالد ترامب.
جمال عيسى: الانتخابات تحتاج إلى توافق وطني ولا يجوز أن تتحول إلى أداة لإدارة الانقسام
ركز جمال عيسى، المستشار السياسي لرئيس حركة حماس في الخارج، بصورة أكبر على ملف الانتخابات الفلسطينية، متناولًا الإشكالات المرتبطة بإجرائها في ظل الانقسام السياسي القائم، وطبيعة السلطة التي ستدير العملية الانتخابية، ومدى قدرة الانتخابات على إنتاج حالة سياسية وطنية جامعة.
وتطرق عيسى إلى الحديث المتزايد عن إجراء الانتخابات الفلسطينية، مؤكدًا ضرورة التمييز بين انتخابات السلطة الفلسطينية وبين الإطار الوطني الأوسع المتمثل في منظمة التحرير الفلسطينية، محذرًا من اختزال المسألة في إجراء انتخابات مؤسسات السلطة بمعزل عن إعادة بناء النظام السياسي الفلسطيني بصورة شاملة.
ويرى عيسى أن السؤال الأساسي لا يتعلق فقط بإجراء الانتخابات من عدمه، وإنما بمن يديرها، وتحت أي شروط، وما الذي ستنتجه سياسيًا، خصوصًا في ظل استمرار الانقسام بين الضفة الغربية وقطاع غزة، واستمرار سيطرة السلطة الفلسطينية على مؤسسات السلطة في الضفة.
وأشار إلى أن الدعوات لإجراء الانتخابات جاءت في سياق ضغوط سياسية خارجية على السلطة الفلسطينية لإجراء إصلاحات، معتبرًا أن الاستجابة لهذا المسار جاءت متأخرة، وأن التعامل مع الانتخابات باعتبارها بديلًا عن الإصلاح السياسي الحقيقي لا يحل أزمة النظام السياسي الفلسطيني.
وفي حديثه عن موقف الفصائل، أشار عيسى إلى وجود مشاورات بين عدد من القوى الفلسطينية بشأن كيفية التعامل مع الاستحقاق الانتخابي، لافتًا إلى مشاركة قوى من بينها حماس والجهاد الإسلامي والجبهة الشعبية والجبهة الديمقراطية وشخصيات وتيارات أخرى في النقاش حول الانتخابات.
وأوضح أن النقاش لا يقتصر على فكرة المشاركة من عدمها، وإنما يتناول سبل خوض الانتخابات في حال إجرائها، وما إذا كان من الممكن الوصول إلى صيغة انتخابية تجمع القوى الفلسطينية على أساس وطني.
وبحسب طرح عيسى، فإن المعيار الأساسي ليس تحقيق مكاسب فصائلية أو الحصول على أكبر عدد من المقاعد، وإنما الوصول إلى قائمة أو صيغة وطنية جامعة يمكن أن تعبر عن الحالة الفلسطينية بمختلف مكوناتها.
وأشار إلى أن أي تحالف انتخابي يمكن أن تكون له قيمة سياسية إذا أدى إلى توحيد الصف الفلسطيني، معتبرًا أن مجرد توحيد القوى الفلسطينية حول برنامج وطني يمكن أن يشكل خطوة مهمة في اتجاه معالجة الانقسام.
يكشف حديث عيسى عن أن الجدل حول الانتخابات لا يتعلق فقط بموعد إجرائها، وإنما بمسألة الشرعية السياسية التي ستنتج عنها، وما إذا كانت ستعيد إنتاج الوضع القائم أم ستفتح الباب أمام صيغة سياسية جديدة.
فإجراء انتخابات في ظل الانقسام، من دون توافق على قواعدها ومؤسساتها ومخرجاتها، قد لا يؤدي بالضرورة إلى إنهاء الأزمة، بل يمكن أن ينقل الانقسام من الشارع والمؤسسات إلى صناديق الاقتراع.
أما إذا جرى التوافق مسبقًا على قواعد العملية الانتخابية وعلى طبيعة المرحلة التي ستليها، فقد تصبح الانتخابات جزءًا من مسار أوسع لإعادة بناء النظام السياسي الفلسطيني.
لقاء إسطنبول.. الانتخابات بوابة لإعادة ترتيب البيت الفلسطيني
يبرز من مجمل النقاش أن ملف الانتخابات لم يُطرح باعتباره مجرد استحقاق انتخابي، وإنما باعتباره جزءًا من أزمة أكبر تتعلق بمستقبل النظام السياسي الفلسطيني وإعادة بناء المؤسسات الوطنية.
كما عكست الندوة محاولة لفتح نقاش فلسطيني خارج الأراضي الفلسطينية حول كيفية التعامل مع المرحلة المقبلة، ودور فلسطينيي الخارج في النقاش الوطني، خصوصًا في ظل تعقيدات المشهد السياسي والميداني.
ويأتي تنظيم اللقاء في تركيا في سياق حراك متزايد بين الشخصيات والقوى الفلسطينية لبحث مستقبل القضية، في وقت تبدو فيه الحاجة إلى إعادة ترتيب البيت الداخلي أكثر إلحاحًا، بالتوازي مع استمرار الحرب والضغوط الإقليمية والدولية.
ومن أبرز ما حملته الندوة أن الخلاف الفلسطيني لم يعد ملفًا يمكن تأجيله إلى ما بعد انتهاء الحرب؛ بل أصبح، وفق الطروحات التي قُدمت، جزءًا أساسيًا من معركة تحديد شكل المرحلة الفلسطينية المقبلة.