فلسطينيو اسكتلندا.. حضور شعبي وتأثير سياسي متصاعد
لم يقتصر النشاط الفلسطيني على المؤسسات السياسية، بل امتد إلى الجامعات والنقابات والبلديات، حيث تبنت اتحادات طلابية ونقابات مهنية قرارات داعمة للمقاطعة.
تقرير خاص – فيميد
على مدار أكثر من عقدين، تمكن الفلسطينيون وأبناء الجاليات العربية والإسلامية، إلى جانب حركات التضامن الاسكتلندية، من إحداث تحول ملحوظ في الموقف المجتمعي والسياسي تجاه القضية الفلسطينية، لتصبح فلسطين واحدة من أكثر القضايا حضورًا في النقاش العام داخل اسكتلندا.
وجاء هذا التحول نتيجة عمل تراكمي اعتمد على بناء تحالفات مع النقابات العمالية والجامعات والكنائس ومنظمات المجتمع المدني والأحزاب السياسية. وأسهمت الجالية الفلسطينية في نقل الرواية الفلسطينية إلى المجتمع الاسكتلندي عبر الندوات والمعارض الثقافية والأنشطة الأكاديمية وحملات المقاطعة، ما عزز حضور القضية في الأوساط الشعبية والسياسية.
وشكلت الحملة الاسكتلندية للتضامن مع فلسطين (SPSC) إحدى أبرز المنصات التي جمعت الفلسطينيين والمتضامنين منذ تأسيسها عام 2000، حيث قادت حملات للمقاطعة وسحب الاستثمارات والضغط على المؤسسات الثقافية والاقتصادية، ونجحت في دفع العديد من الهيئات المحلية إلى مراجعة علاقاتها مع شركات مرتبطة بالاحتلال.
إنجاز سياسي غير مسبوق
بلغ هذا الحراك ذروته في سبتمبر/أيلول 2025، عندما صوّت البرلمان الاسكتلندي لصالح حزمة تدعو إلى مقاطعة إسرائيل وسحب الاستثمارات وفرض العقوبات على الشركات المتورطة في الاحتلال، في خطوة وُصفت بأنها الأولى من نوعها على مستوى برلمان وطني. كما دعا البرلمان الحكومتين الاسكتلندية والبريطانية إلى اتخاذ إجراءات عملية تشمل المقاطعة وسحب الاستثمارات والعقوبات، إلى جانب دعم الاعتراف بدولة فلسطين.
ورغم أن قرارات البرلمان الاسكتلندي لا تملك صلاحيات مباشرة في ملفات السياسة الخارجية، فإنها شكلت ضغطًا سياسيًا ورمزيًا كبيرًا، ورسخت حضور القضية الفلسطينية في المشهد السياسي الداخلي.
تأثير يتجاوز البرلمان
لم يقتصر النشاط الفلسطيني على المؤسسات السياسية، بل امتد إلى الجامعات والنقابات والبلديات، حيث تبنت اتحادات طلابية ونقابات مهنية قرارات داعمة للمقاطعة، كما شهدت مدن مثل إدنبرة وغلاسكو عشرات المظاهرات والفعاليات التضامنية التي استقطبت آلاف المشاركين منذ اندلاع الحرب على غزة.
كما لعبت الجالية الفلسطينية دورًا في بناء علاقات مع نواب من أحزاب مختلفة، خاصة حزب الخضر والحزب الوطني الاسكتلندي، الذين تبنوا مواقف داعمة لفلسطين داخل البرلمان، وساهموا في طرح مبادرات تتعلق بالمقاطعة ووقف التعاون مع الشركات المتورطة في الاحتلال.
جالية صغيرة وتأثير يتجاوز حجمها
ورغم أن عدد الفلسطينيين في اسكتلندا يُعد محدودًا مقارنة بجاليات أخرى في أوروبا، إذ تُقدّر أعدادهم بما بين 3 و5 آلاف فلسطيني وفق تقديرات مؤسسات الجالية، فإن حضورهم المجتمعي والسياسي يفوق حجمهم العددي. ويتركز معظمهم في مدينتي غلاسكو وإدنبرة، حيث تنشط مؤسسات مثل الجمعية الفلسطينية الاسكتلندية (Scottish Palestinian Society)، التي تمثل المظلة الرئيسية للجالية، وتعمل على تنظيم الفعاليات الثقافية والاجتماعية، والتواصل مع مؤسسات الدولة والمجتمع المدني، إلى جانب دعم الأنشطة الرياضية والشبابية.
الرياضة.. بوابة فعالة للتعريف بالقضية الفلسطينية
ولم يقتصر الحضور الفلسطيني في اسكتلندا على النشاطين السياسي والثقافي، بل امتد إلى المجال الرياضي، الذي تحول إلى إحدى أدوات التعريف بالقضية الفلسطينية وتعزيز حضورها في المجتمع الاسكتلندي.
وتنظم الجمعية الفلسطينية الاسكتلندية فعاليات وبطولات رياضية دورية، خاصة في كرة القدم، تجمع أبناء الجالية مع متضامنين اسكتلنديين، في إطار تعزيز الاندماج المجتمعي والتعريف بالهوية والثقافة الفلسطينية. كما تتعاون مع أندية ومؤسسات رياضية محلية لإشراك الشباب الفلسطيني في الأنشطة الرياضية المختلفة.
كما تحظى القضية الفلسطينية بحضور لافت في الملاعب الاسكتلندية، ولا سيما بين جماهير نادي سيلتيك، التي اشتهرت على مدار سنوات برفع الأعلام الفلسطينية وتنظيم حملات تضامن خلال المباريات، الأمر الذي أسهم في إبقاء القضية الفلسطينية حاضرة في المشهد الرياضي والإعلامي داخل اسكتلندا.
تحديات المرحلة المقبلة
ورغم هذا النجاح، يرى ناشطون أن التحدي الحالي يتمثل في تحويل القرارات البرلمانية إلى سياسات تنفيذية، إذ تشير تقارير إلى وجود فجوة بين التصويت البرلماني وتطبيق الإجراءات على أرض الواقع، خاصة فيما يتعلق بالمقاطعة وسحب الاستثمارات. ولهذا تواصل المنظمات الفلسطينية وحركات التضامن حملاتها للضغط على الحكومة الاسكتلندية لضمان تنفيذ ما أقره البرلمان وعدم الاكتفاء بالرمزية السياسية.
ويعد النموذج الاسكتلندي مثالًا بارزاً على قدرة الجاليات الفلسطينية في المهجر على إحداث تأثير مجتمعي وسياسي طويل الأمد، من خلال العمل المؤسسي وبناء التحالفات، بما يجعل القضية الفلسطينية جزءًا من النقاش العام وصناعة القرار في بلد أوروبي.