فلسطينيو سوريا في العهد الجديد.. تحديات قديمة ومستقبل غامض
رغم أن الفلسطينيين في سوريا لم يكونوا طرفًا في الصراع السوري بوصفهم مجتمعًا، فإنهم كانوا من أكثر المتضررين من تداعياته، بعد أن تعرضت مخيماتهم لدمار واسع، وتقلص عددهم بشكل كبير نتيجة النزوح واللجوء.
دمشق – فيميد
منذ سقوط نظام بشار الأسد في كانون الأول/ديسمبر 2024، وتولي الرئيس أحمد الشرع قيادة البلاد، دخل ملف اللاجئين الفلسطينيين في سوريا مرحلة جديدة تتسم بإعادة رسم العلاقة بين الدولة والفصائل الفلسطينية، وسط تعهدات رسمية بالحفاظ على حقوق اللاجئين، وإجراءات أمنية أنهت الوجود العسكري للفصائل الموالية للنظام السابق، في ظل غياب إطار سياسي واضح ينظم العلاقة بين دمشق الجديدة والوجود الفلسطيني.
ورغم أن الفلسطينيين في سوريا لم يكونوا طرفًا في الصراع السوري بوصفهم مجتمعًا، فإنهم كانوا من أكثر المتضررين من تداعياته، بعد أن تعرضت مخيماتهم لدمار واسع، وتقلص عددهم بشكل كبير نتيجة النزوح واللجوء.
الإطار القانوني.. استمرار مع قيود جديدة
لا يزال الوضع القانوني للاجئين الفلسطينيين في سوريا يستند إلى القانون رقم 260 لعام 1956، الذي يمنحهم معاملة مماثلة للمواطنين السوريين في مجالات العمل والتوظيف والتعليم والتجارة والملكية، مع احتفاظهم بجنسيتهم الفلسطينية وحرمانهم من الحقوق السياسية المرتبطة بالانتخاب والترشح.
إلا أن هذا الإطار شهد مطلع العام تعديلاً لافتاً، إذ تقرر اشتراط حصول حاملي جواز السفر الفلسطيني الصادر عن السلطة الفلسطينية على "موافقة أمنية مسبقة" قبل دخول الأراضي السورية، غالباً عبر كفيل محلي أو عبر السفارات السورية. في المقابل، استثني من هذا الشرط حاملو وثيقة السفر للاجئين الفلسطينيين الصادرة عن سوريا نفسها، الذين لا يزالون يُعاملون معاملة المواطن السوري دون قيود إضافية على الدخول والخروج - وهو ما يعكس، بحسب متابعين، ازدواجية في المعاملة تبعاً لنوع الوثيقة التي يحملها اللاجئ.
وفي مؤشر على استمرار سريان الإطار القانوني القديم، فتحت وزارة الداخلية السورية باب الانتساب لدورة تدريبية للذكور تشمل مختلف المستويات التعليمية، بما يتيح مبدئياً للاجئين الفلسطينيين المقيمين في سوريا التقدم لها حتى 6 آب/أغسطس 2026.
إنهاء النفوذ العسكري للفصائل
كان ملف السلاح الفلسطيني من أولى القضايا التي تعاملت معها الإدارة الجديدة بعد سقوط النظام. فقد عقدت "إدارة العمليات العسكرية" اجتماعات مع عدد من الفصائل التي ارتبطت بالنظام السابق، بينها الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين، والجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين، وحركة الجهاد الإسلامي، وجبهة النضال الشعبي الفلسطيني، والجبهة الشعبية – القيادة العامة، وتنظيم الصاعقة، وطالبتها بإخلاء وتسليم مقارها ومعسكراتها الواقعة خارج المخيمات الفلسطينية.
وخلال الأشهر التالية، نفذت السلطات السورية عمليات أمنية انتهت بإغلاق معظم المواقع العسكرية التابعة لتلك الفصائل، ومصادرة كميات من الأسلحة والذخائر، في إطار سياسة تقوم على حصر السلاح بيد الدولة.
كما أوقفت السلطات عددًا من القيادات الفلسطينية المرتبطة بالأجهزة الأمنية للنظام السابق، فيما غادر آخرون البلاد، الأمر الذي أنهى فعليًا النفوذ الأمني والعسكري الذي تمتعت به بعض الفصائل الفلسطينية داخل سوريا طوال العقود الماضية.
فتح وحماس.. حضور سياسي دون نفوذ عسكري
في المقابل، اتبعت حركتا فتح وحماس مقاربة مختلفة تجاه السلطة الجديدة، إذ لم تكونا جزءًا من البنية العسكرية المرتبطة بالنظام السابق بالشكل الذي انطبق على فصائل أخرى.
وأجرى مسؤولون فلسطينيون، بينهم عضو اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير ورئيس دائرة شؤون اللاجئين أحمد أبو هولي، زيارات إلى دمشق ومخيم اليرموك، دعوا خلالها إلى تسريع إعادة إعمار المخيم وتأمين عودة سكانه.
كما حافظت حركة حماس على قنوات تواصل سياسية مع الإدارة السورية الجديدة، في إطار إعادة بناء العلاقات التي شهدت تحولًا بعد سقوط النظام السابق، دون أن يكون لها وجود عسكري معلن داخل الأراضي السورية.
بالأرقام.. الفلسطينيون في سوريا
قبل اندلاع الحرب السورية عام 2011، كان يعيش في سوريا نحو 560 ألف لاجئ فلسطيني مسجلين لدى الأونروا، موزعين على 12 مخيمًا رسميًا وثلاثة تجمعات غير رسمية.
لكن سنوات الحرب أدت إلى تراجع أعدادهم بصورة كبيرة، إذ تشير تقديرات حديثة إلى أن عدد الفلسطينيين المقيمين داخل سوريا يتراوح بين 430 و450 ألف لاجئ، بعد موجات واسعة من اللجوء والهجرة، فضلًا عن آلاف الضحايا والمفقودين.
ويظل مخيم اليرموك جنوب دمشق أكبر التجمعات الفلسطينية في البلاد، إذ كان يضم قبل الحرب أكثر من 160 ألف لاجئ فلسطيني، قبل أن يتحول إلى أحد أكثر المناطق تضررًا، حيث تعرض أكثر من 70% من مبانيه للدمار الكلي أو الجزئي نتيجة العمليات العسكرية التي شهدها بين عامي 2013 و2018.
كما لحقت أضرار متفاوتة بمخيمات درعا وخان الشيح وحندرات والنيرب، بينما بقيت مخيمات جرمانا وخان دنون وحمص أقل تأثرًا نسبيًا.
ولا تزال وكالة الأمم المتحدة لإغاثة وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (الأونروا) تقدم خدماتها التعليمية والصحية والإغاثية لعشرات الآلاف من اللاجئين الفلسطينيين في سوريا، رغم الأزمة المالية المتفاقمة التي تواجهها الوكالة.
إعادة الإعمار.. الأولوية المؤجلة
يرى سكان المخيمات أن التحدي الأكبر لم يعد يقتصر على انتهاء العمليات العسكرية، بل يتمثل في إعادة إعمار الأحياء المدمرة وتأمين عودة عشرات آلاف النازحين إلى منازلهم.
ولا تزال عملية إعادة إعمار مخيم اليرموك تسير بوتيرة بطيئة، في ظل نقص التمويل، وتعقيدات إثبات الملكيات، والحاجة إلى إعادة تأهيل البنية التحتية والخدمات الأساسية، ما يجعل عودة السكان محدودة حتى الآن.
ويطالب الفلسطينيون بأن يكون ملف المخيمات جزءًا أساسيًا من خطط إعادة إعمار سوريا، باعتباره قضية إنسانية تمس مئات آلاف اللاجئين الذين يعيشون في البلاد منذ أكثر من سبعة عقود.
فراغ سياسي وسط تحولات إقليمية
يتزامن ذلك مع انشغال الإدارة السورية الجديدة بملفات داخلية وخارجية معقدة، تشمل إعادة بناء مؤسسات الدولة، واستكمال التفاهمات الأمنية، وتعزيز الانفتاح على الدول العربية والغربية، بعد تخفيف جزء من العقوبات الأمريكية والأوروبية خلال عام 2026.
ويرى مراقبون أن هذه الأولويات جعلت ملف اللاجئين الفلسطينيين يتراجع نسبيًا على سلم الاهتمامات الحكومية، رغم تأكيد دمشق المتكرر التزامها بالحفاظ على أوضاعهم القانونية وحقوقهم المدنية.
ويعتقد باحثون أن التحدي الحقيقي لم يعد مرتبطًا فقط بالحفاظ على الحقوق القانونية للفلسطينيين، بل أيضًا بغياب مرجعية فلسطينية موحدة قادرة على تمثيلهم أمام الإدارة السورية الجديدة. فمع تراجع نفوذ الفصائل المسلحة، وانشغال منظمة التحرير بملفات أخرى، يواجه اللاجئون فراغًا سياسيًا ينعكس على ملفات إعادة الإعمار، واستعادة الممتلكات، وضمان تمثيلهم في أي ترتيبات قانونية أو إدارية مستقبلية.
مستقبل العلاقة
يبدو المشهد الفلسطيني في سوريا اليوم أقرب إلى مرحلة انتقالية لم تكتمل معالمها بعد؛ فقد انتهى عمليًا النفوذ العسكري للفصائل المرتبطة بالنظام السابق، بينما لم تتبلور بعد صيغة سياسية جديدة تنظم العلاقة بين الدولة السورية والفلسطينيين.
وفي ظل هذا الواقع، تبقى أولويات اللاجئين الفلسطينيين متمثلة في إعادة إعمار المخيمات، وضمان عودة آمنة وكريمة للنازحين، والحفاظ على حقوقهم القانونية والاجتماعية. وسيظل مستقبل هذه العلاقة مرهونًا بمدى استقرار مؤسسات الدولة السورية، وبقدرة الفلسطينيين على بناء إطار تمثيلي فاعل يواكب التحولات التي تشهدها البلاد، ويضمن عدم تحولهم إلى طرف هامشي في مرحلة إعادة بناء سوريا.