متابعات – فيميد

 

تحل اليوم، 31 يوليو/تموز، الذكرى الثانية لاغتيال رئيس المكتب السياسي السابق لحركة المقاومة الإسلامية (حماس) إسماعيل هنية، الذي قُتل في عملية اغتيال نُسبت إلى إسرائيل واستهدفت مقر إقامته في العاصمة الإيرانية طهران، أثناء مشاركته في مراسم تنصيب الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان.

وجاء اغتيال هنية في مرحلة كانت تشهد فيها المنطقة تصعيدًا غير مسبوق على خلفية الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة، ضمن سلسلة عمليات استهدفت قيادات بارزة في حركات المقاومة الفلسطينية واللبنانية، في إطار سياسة إسرائيلية معلنة تقوم على ملاحقة قادة الفصائل داخل الأراضي الفلسطينية وخارجها.

وكان هنية يُعد أحد أبرز الوجوه السياسية الفلسطينية خلال العقدين الماضيين، إذ لعب دورًا محوريًا في قيادة حركة حماس، وإدارة علاقاتها مع القوى الإقليمية والدولية، كما قاد جانبًا من الاتصالات المتعلقة بملفات التهدئة، وتبادل الأسرى، والمصالحة الفلسطينية.

 

من مخيم الشاطئ إلى قيادة الحركة

وُلد إسماعيل هنية في مخيم الشاطئ للاجئين غرب مدينة غزة عام 1962، لأسرة هُجّرت من قرية الجورة الواقعة بقضاء عسقلان خلال نكبة عام 1948. وتلقى تعليمه في مدارس وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (الأونروا)، قبل أن يلتحق بالجامعة الإسلامية في غزة، حيث برز في العمل الطلابي وتولى رئاسة مجلس اتحاد الطلبة، ليصبح لاحقًا أحد أبرز قيادات الكتلة الإسلامية.

ومع اندلاع الانتفاضة الفلسطينية الأولى عام 1987، اعتقلته سلطات الاحتلال الإسرائيلي عدة مرات، قبل أن تُبعده إلى مرج الزهور في جنوب لبنان عام 1992 مع مئات من قيادات حركتي حماس والجهاد الإسلامي، وهي المحطة التي عززت مكانته داخل الحركة.

وبعد عودته إلى قطاع غزة، أصبح من أقرب مساعدي مؤسس حركة حماس الشيخ أحمد ياسين، وتولى رئاسة مكتبه عقب الإفراج عنه عام 1997، قبل أن يتدرج في مواقع قيادية داخل الحركة.

 

من رئاسة الحكومة إلى قيادة حماس

برز اسم هنية بقوة عقب فوز حركة حماس في الانتخابات التشريعية الفلسطينية عام 2006، حيث تولى رئاسة الحكومة الفلسطينية، قبل أن يُقيله الرئيس الفلسطيني محمود عباس في يونيو/حزيران 2007 عقب الانقسام الفلسطيني وسيطرة حماس على قطاع غزة.

وفي مايو/أيار 2017، انتُخب رئيسًا للمكتب السياسي لحركة حماس خلفًا لخالد مشعل، ثم أُعيد انتخابه لولاية ثانية عام 2021، ليقود الحركة خلال واحدة من أكثر المراحل تعقيدًا في تاريخها.

وخلال رئاسته، أشرف على إدارة العلاقات السياسية للحركة مع مصر وقطر وتركيا وإيران وعدد من الدول العربية والإسلامية، وقاد الاتصالات مع الوسطاء في ملفات التهدئة مع إسرائيل، وتبادل الأسرى، ورفع الحصار عن قطاع غزة، كما شارك في جهود المصالحة الفلسطينية مع حركة فتح، وسعى إلى توسيع الحضور السياسي والدبلوماسي لحماس على المستويين الإقليمي والدولي.

كما ارتبطت بداية رئاسته بإعلان حركة حماس عام 2017 وثيقة المبادئ والسياسات العامة، التي قدمت رؤية سياسية محدثة للحركة، وأكدت قبول إقامة دولة فلسطينية مستقلة على حدود عام 1967 دون الاعتراف بإسرائيل، مع التأكيد على أن الصراع مع المشروع الصهيوني وليس مع اليهود باعتبارهم أتباع ديانة، وهو ما اعتبرته الحركة تطويرًا لخطابها السياسي تجاه المجتمع الدولي.

وخلال فترة قيادته، شهدت الحركة محطات مفصلية، من أبرزها مسيرات العودة الكبرى عام 2018، وجولات التصعيد العسكري مع إسرائيل في أعوام 2019 و2021، ثم الحرب الواسعة التي اندلعت عقب عملية "طوفان الأقصى" في 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023، حيث تولى هنية قيادة التحرك السياسي للحركة من الخارج، وأدار الاتصالات مع الوسطاء في ملفات وقف إطلاق النار، وتبادل الأسرى، وإدخال المساعدات الإنسانية إلى قطاع غزة.

 

الحرب على غزة واستهداف عائلته

خلال الحرب، فقد هنية عددًا من أفراد عائلته، بينهم ثلاثة من أبنائه وعدد من أحفاده الذين استشهدوا في غارات إسرائيلية استهدفتهم داخل قطاع غزة في أبريل/نيسان 2024، كما استشهد عدد آخر من أقاربه في هجمات متفرقة، في حين أكد هنية آنذاك أن استهداف عائلته "لن يغيّر موقف الحركة أو يؤثر على قراراتها".

 

اغتيال في طهران

في فجر 31 يوليو/تموز 2024، أعلنت حركة حماس اغتيال هنية إثر استهداف مقر إقامته في العاصمة الإيرانية طهران، بعد ساعات من مشاركته في مراسم تنصيب الرئيس الإيراني الجديد مسعود بزشكيان.

وأثار اغتياله ردود فعل واسعة على المستويين الإقليمي والدولي، فيما حمّلت حماس وإيران إسرائيل مسؤولية العملية، معتبرتين أنها تمثل تصعيدًا خطيرًا يهدد بتوسيع دائرة المواجهة في المنطقة.

 

إرث سياسي مستمر

شكّل اغتيال هنية محطة مفصلية في مسار حركة حماس، إذ فتح الباب أمام إعادة ترتيب هياكلها القيادية في ظل استمرار الحرب على غزة، كما جاء في وقت كانت الحركة تخوض مفاوضات غير مباشرة عبر الوسطاء بشأن وقف إطلاق النار وتبادل الأسرى.

ورغم رحيل إسماعيل هنية، فإن حضوره السياسي والوطني يبقى جزءًا من ذاكرة الحركة الوطنية الفلسطينية، ليضاف اسمه إلى سجل قادة المقاومة الذين شكّلوا محطات مفصلية في تاريخ الصراع مع الاحتلال، من عز الدين القسام وأحمد ياسين وعبد العزيز الرنتيسي وإبراهيم المقادمة، وصولًا إلى محمد الضيف ويحيى السنوار ومحمد السنوار والحداد وغيرهم. وتبقى سيرتهم، بالنسبة لكثير من الفلسطينيين، مصدر إلهام للأجيال التي تواصل مسيرة النضال من أجل الحرية والاستقلال.