بقلم: إبراهيم المدهون

أُعلن اليوم الحداد في دولة قطر بوفاة الأمير الوالد الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني، أحد أبرز القادة العرب في العقود الأخيرة، والذي قاد دولة قطر نحو تحولات نوعية، ووضع لها رؤية جعلتها تنتقل من إطارها الجغرافي الخليجي إلى حضور إقليمي ودولي مؤثر.

 

لقد أدرك الأمير الوالد أن قوة الدول لا تُقاس فقط بحجمها الجغرافي، بل بقدرتها على الاستثمار في الإنسان، والمعرفة، والإعلام، والسياسة، والفكر. ومن هذا المنطلق، استطاع أن يوظف ثروات قطر في مسارات نوعية، فدعم المشاريع السياسية والإعلامية والرياضية والثقافية، واستثمر في المؤسسات والأفكار والدراسات، لتصبح قطر دولة حاضرة في المشهد الدولي، تجمع بين القوة والتأثير والاهتمام بالقيم والمعرفة.

 

وفي فلسطين، وتحديدًا في غزة، تحمل الذاكرة الكثير من المواقف المرتبطة بالأمير الوالد رحمه الله. فقد كان من القادة الذين حافظوا على حضور القضية الفلسطينية في سياساتهم، وتعاملوا معها باعتبارها قضية عربية وإنسانية مركزية.

 

ويذكر الفلسطينيون مواقفه تجاه الرئيس الراحل ياسر عرفات، حيث حافظ على التواصل معه في أصعب الظروف، وكان يرسل كبار المسؤولين القطريين للقاء القيادة الفلسطينية، مقدمًا الدعم السياسي والمادي رغم حالة الحصار والضغوط الإقليمية والدولية التي كانت تواجهها السلطة الفلسطينية آنذاك. ومن بين تلك المواقف تقديم دعم مالي سخي ساهم في تخفيف أعباء الأزمة الخانقة التي مرت بها السلطة نتيجة الحصار والتضييق.

 

كما بقي الأمير الوالد على تواصل مع الرئيس أبو عمار حتى أيامه الأخيرة، وهو محاصر ومعزول في المقاطعة،  في موقف شجاع في ذلك الوقت.

 

ولم تقتصر علاقة الأمير الوالد رحمه الله على التواصل مع القيادة السياسية الفلسطينية، بل امتدت إلى رموز الحركة الوطنية الفلسطينية. ومن المحطات التي بقيت حاضرة في الذاكرة الفلسطينية استضافته للشيخ الشهيد أحمد ياسين خلال جولته الخليجية في أواخر التسعينيات، بعد خروجه من السجن، حيث حظي بالتكريم والاهتمام، وكان ذلك تعبيرًا عن تقدير قطر لمكانته ورمزيته.

 

واستمر التواصل مع الشيخ وقد رحل الشيخ أحمد ياسين وهو يحمل الكثير من المحبة والتقدير للأمير الوالد، الذي رأى فيه قائدًا عربيًا منح فلسطين وقادتها وقضيتها اهتمامًا خاصًا.

 

ومن أبرز المحطات التي بقيت حاضرة في الذاكرة الفلسطينية زيارته إلى قطاع غزة عام 2012، في ظل الحصار والقيود، حيث كانت أول زيارة لزعيم عربي إلى القطاع بعد سنوات من الحصار. وقد حملت الزيارة رسالة سياسية وإنسانية واضحة، وأطلقت خلالها مشاريع تنموية وإعمارية مهمة، كان من أبرزها مدينة حمد السكنية، التي شكلت نموذجًا عمرانيًا مميزًا، قبل أن تتعرض أجزاء كبيرة منها للدمار خلال الحرب الأخيرة على غزة.

 

كما يُحسب للأمير الوالد رحمه الله حرصه على بناء علاقات متوازنة مع مختلف مكونات الساحة الفلسطينية، فلم يغلق أبواب التواصل مع أي طرف، وحافظ على علاقات مع مختلف القيادات الفلسطينية، سواء مع الرئيس محمود عباس، أو مع رئيس الوزراء الشهيد إسماعيل هنية، أو مع الأخ خالد مشعل، انطلاقًا من رؤية تقوم على احتضان القضية الفلسطينية بمختلف مكوناتها.

 

وكان الأمير الوالد يتحدث دائمًا بتقدير واضح عن القيادات الفلسطينية، وكان يحمل مساحة خاصة من المحبة والتقدير للشهيد إسماعيل هنية والأخ خالد مشعل، ويستقبلهما بروح قريبة ودية تعكس عمق العلاقة الإنسانية والسياسية. ولم تكن هذه العلاقة مجرد تواصل رسمي، بل حملت رسالة تضامن واحتضان للشعب الفلسطيني وقضيته.

 

كما بقي اسم فلسطين حاضرًا في خطاباته ومواقفه، وكان حريصًا على التعبير عن دعمه للشعب الفلسطيني وحقوقه، وهو ما جعل صورته حاضرة لدى قطاعات واسعة من الفلسطينيين باعتباره قائدًا عربيًا ارتبط اسمه بمحطات مهمة في تاريخ القضية الفلسطينية.

 

ولهذا جاءت كلمة الأخ خالد مشعل في رثائه وتعزيته عبر قناة الجزيرة كلمة تحمل الكثير من الصدق والتقدير، وتعبر عن مشاعر شعبنا تجاه قطر وأميرها الراحل، لأنها استندت إلى تاريخ طويل من المواقف والعلاقات التي تركت أثرًا عميقًا في الذاكرة الفلسطينية.

 

كما لا يمكن الحديث عن إرث الأمير الوالد دون الإشارة إلى مواقفه العربية، ومنها دعمه للبنان بعد حرب عام 2006، ومساهمته في إعادة إعمار مناطق واسعة من الجنوب اللبناني، وهو موقف حظي بتقدير واسع في العالم العربي.

 

وفي المجال الإعلامي، يبقى تأسيس شبكة الجزيرة إحدى أبرز التحولات التي ارتبطت برؤية الأمير الوالد. فقد أسهمت الجزيرة في تغيير شكل الإعلام العربي، ونقلت المشهد الإعلامي من نموذج الإعلام الرسمي التقليدي إلى إعلام أكثر تأثيرًا وحضورًا، وأصبحت إحدى أبرز المؤسسات الإعلامية العربية القادرة على المنافسة إقليميًا ودوليًا.

 

وفي هذا المصاب القطري والعربي، أتقدم إلى دولة قطر قيادةً وشعبًا بخالص التعازي والمواساة، وأسأل الله أن يتغمد الأمير الوالد الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني بواسع رحمته.

 

كما أتقدم بالتعزية إلى سمو الأمير الشيخ تميم بن حمد آل ثاني، الذي واصل مسيرة والده، وحافظ على حضور قطر الإقليمي والدولي، وعلى نهجها في التواصل مع القضايا العربية، وفي مقدمتها القضية الفلسطينية.

 

نسأل الله أن يحفظ قطر وشعبها، وأن تبقى جسور الأخوة والدعم للشعب الفلسطيني قائمة، خاصة في هذه الظروف الصعبة التي تمر بها فلسطين وغزة.

 

إنا لله وإنا إليه راجعون.

 

file_6a5512fa83ffe